.. من قناعاتي المتجذّرة في أعماقي :
أنّ قراءة السير ، والغوص في أعماق التاريخ ، والالتفات إلى الماضي والتغنّي بأمجاده ضرورةٌ من ضرورات بناء الحاضر والمستقبل معاً ، ولست مع أدعياء المعاصرة ، أولئك المتفاصحون المتثاقفون الذين يحدّقون بنظراتٍ شزرٍ في كلّ من ينحاز إلى ماضي الأسلاف ويقرأ سيرهم وعبرهم وصوراً من بطولاتهم ، بل أنا على النقيض تماماً ممّا يدعو إليه أولئك من أن نكون أنفسنا ولا نكون غيرنا ، ليس لشيءٍ سوى أنّني أعلم أنّنا لن نكون ( نحن ) فيما لو تركنا الأمّة تواجه مصيرها بهذه " الأنفس " الغارقة في اللذائذ ، المنبطحة على آرائك الترف والسرف ! إنّ الذين يدعون إلى أن نكون " نحن " لا يتورّعون في أن يصنعوا هذه النفوس من " الآخر " بحجّة أنّنا لن نكون بغير التماسّ والمخالطة والاقتباس ، ولكنّهم حينما يقرؤون أو يسمعون أنّ أحداً جعل من تاريخ سلفه المضيء جذوةً يقبس منها ، أو دليلاً يهتدي به ، فإنّهم يتطايرون عليه كخفافيش الظلام نابذين دعوته تلك بحجّةٍ أوهى من بيت العنكبوت ، يزعمون أنّ الزمن يسير إلى الأمام ، وأنّ التاريخ في المحطّة الخلفيّة وقطار الأيّام لا يعود إلى الخلف ! ، نعم – في زعمهم – لا يرجع القطار القهقرى ، ولكنّه قادرٌ على أن يترك " مساره " ليقفز إلى " مسارٍ " آخر ! ألا ساء ما يحكمون !!
لن أقف طويلاً مع هؤلاء ، فهم لا يستحقّون أكثر من ابتسامة ساخرة ونظرة إلى حياتهم المتعثّرة خارج الزمن ، فلا هم الذين قرؤوا الماضي ، ولا هم الذين صنعوا حاضرهم سوى أن ملأوا الفضاء بالضجيج الفارغ والأصوات النشاز ، وما ثمّة في أيديهم نسخة واحدة لمفتاح التقدّم الذي يزعمون ! إنّهم يكتبون ما يكتبون لشهواتهم ولذائذهم ثمّ بعد ذلك يغطّون في نومٍ عميق تسكنه أحلام " الغفوة " التي لا تعقبها صحوة إلاّ أن يشاء الله فيهديهم إلى ما لوّوا رؤوسهم عنه حينما قال لهم المهتدون : تعالوا إلى ماكان عليه الرسول – عليه الصلاة والسلام – وأصحابه واقرؤوا الماضي فلا حاضر ولا مستقبل بدونه .
لن أخشى غضبةً من هؤلاء " المعصورين" في " عصارة الزمن " ، سأقول بملء فمي : لن أخطو – من الآن – إلاّ إلى الخلف ، سأرجع القهقرى ، لن أتقدّم خطوة واحدة إلى الأمام ! أأسير بقدميّ إلى النّار ؟!
|