شرح حديث: أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ. فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً. فَقَالَ: هذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ. ثُمَّ لأَمَهُ. ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ. وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدا قَدْ قُتِلَ. فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ. (رواه مسلم).
ترجمة راوي الحديث:
أنس بن مالك رضي الله عنه، تقدمت ترجمته في الحديث الثالث من كتاب الإيمان.
تخريج الحديث:
الحديث أخرجه مسلم حديث (162) وانفرد به.
شرح ألفاظ الحديث:
• (فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ): أي ألقاه على الأرض.
• (فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً): أي استخرج من قلبه قطعة دم.
• (حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ): أي نصيبه الذي من خلاله يوصل الوسوسة إليك.
• (ثُمَّ لأَمَهُ): أي جمعه وضم بعضه إلى بعض.
• (إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ): الظئر المرضع. [انظر لسان العرب مادة (ظأر) 4/ 514)] والمراد بها هنا حليمة السعدية مرضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
• (مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ): أي متغير اللون.
من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: في الحديث إثبات شق الصدر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو صغير، وتحصَّل من هذا، إثبات شق صدره وهو صغير في بعض جهات مكة لهذا الحديث، وإثبات شق صدره حين أسري به ليلة الإسراء والمعراج - كما تقدم بيانه في حديث الإسراء، وذكر ابن حجر رحمه الله مرة ثالثة لشق الصدر عند البعثة وبين الحكمة من شق صدره صلى الله عليه وسلم في المرات الثلاث.
قال ابن حجر رحمه الله: " وثبت شق الصدر أيضاً عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولكل منهما حكمة، فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه فأخرج علقة فقال " هٰذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ" وكان هذا في زمن الطفولة فنشأ على أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه صلى الله عليه وسلم " [الفتح (7 /204-205)].
الفائدة الثانية: الصحيح أن شق صدره صلى الله عليه وسلم حقيقة على ظاهره خلافاً لمن أوّله.
قال القرطبي رحمه الله:" وهذا الحديث محمول على ظاهره وحقيقيته، إذ لا إحالة في متنه عقلاً، ولا يستبعد من حيث أن شق الصدر وإخراج القلب موجب للموت، فإن ذلك أمر عادي، وكانت جل أحواله صلى الله عليه وسلم خارقة للعادة، إما معجزة وإما كرامة، وهذا الشق هو خلاف الشق المذكور في حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة رضي الله عنهما، بدليل اختلاف الزمان والمكانين والحالين". [المفهم (1/ 382)].
وقال ابن حجر رحمه الله:" واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه، حقيقة لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك" [الفتح (7/ 205)].
الفائدة الثالثة: الحديث فيه بيان عناية الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث حفظه من الشيطان ووسوسته وتسليطه فعصمه منه بإخراج حظه منه.
مستلة من إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الإيمان)
الالوكة