الإهداءات


رياض الصالحين على مذهب أهل السنة والجماعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-19-2003, 02:24 PM   #11
مركز تحميل الصور


الصورة الرمزية الalwaafiـوافي
الalwaafiـوافي غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 481
 تاريخ التسجيل :  Sep 2003
 أخر زيارة : 05-14-2017 (06:24 PM)
 المشاركات : 1,039 [ + ]
 التقييم :  1
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



فصل
فى حُكمه صلى الله عليه وسلم بالولدِ لِلفراش، وأن الأمة تكون فراشاً، وفيمن استلحق بعدَ مَوْتِ أبيه
ثبت فى ((الصحيحين))، من حديث عائشة رضى الله عنها، قالت: اختصم سعدُ بنُ أبى وقَّاص، وعبدُ بنُ زمعة فى غلام، فقال سعد: هذا يا رسولَ الله ابنُ أخى عتبة بن أَبى وقاص عَهِدَ إِلىَّ أنه ابنُه، انْظُرْ إِلى شَبَههِ، وقال عبدُ بنُ زمعة: هذا أخى يا رسولَ الله وُلِدَ على فِراش أبى مِن وَليدَتِهِ، فنظر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فرأى شبهاً بيناً بعُتبة، فقال: ((هُوَ لَكَ يا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلفِراشِ، ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ واحْتَجِبى مِنْهُ يا سَوْدَةُ))، فلم تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ.
فهذا الحكمُ النبوىُّ أصلٌ فى ثبوتِ النسب بالفراش، وفى أن الأمة تكون فِرَاشاً بالوطء، وفى أن الشَّبه إذا عارضَ الفِراش، قُدِّمَ عليه الفِراشُ، وفى أن أحكامَ النسب تتبعَّضُ، فتثبُت من وجهٍ دُونَ وجه، وهو الذى يُسميه بعضُ الفقهاء حُكمَاً بينَ حُكمين، وفى أن القافةَ حقٌ، وأنها من الشرع.
فأما ثبوتُ النسبِ بالفِراش، فأجمعت عليه الأمةُ، وجهاتُ ثبوتِ النسب أربعةٌ: الفراشُ، والاستلحاقُ، والبيِّنةُ، والقَافَةُ.
فالثلاثة الأول، متفق عليها، واتفق المسلمون على أن النِّكاحَ يثبُت به الفراشُ، واختلفوا فى التسرِّى، فجعله جمهورُ الأمة موجباً للفراش، واحتجوا بصريحِ حديثِ عائشة الصحيح، وأن النبىَّ صلى الله عليه وسلم قضى بالولدِ لِزمعة، وصرّح بأنه صاحبُ الفراش، وجعل ذلك عِلة للحكم بالولد له فسبَبُ الحكم ومحلُه إِنما كان فى الأمة، فلا يجوزُ إِخلاءُ الحديث منه وحملُه على الحرة التى لم تذكر البتة، وإنما كان الحكمُ فى غيرها، فإن هذا يستلزِمُ إِلغاءَ ما اعتبره الشارعُ وعلَّق الحكمَ به صريحاً، وتعطيلَ محلِّ الحكم الذى كان لأجله وفيه.
ثم لو لم يَرِدِ الحديثُ الصحيح فيه، لكان هو مقتضى الميزانِ الذى أنزل له الله تعالى لِيقومَ الناسُ بالقسْطِ، وهو التسويةُ بين المتماثلين، فإن السُّرِّيَّة فِراشٌ حِسَّاً وحقيقةً وحُكماً، كما أن الحُرَّةَ كذلك، وهى تُراد لما تُراد له الزوجةُ مِن الاستمتاع والاستيلادِ، ولم يزل الناسُ قديماً وحديثاً يرغبون فى السَّرارى لاستيلادِهن واستفراشهن، والزوجةُ إِنما سُمِّيَتْ فِراشاً لمعنى هى والسُّرِّيَّةُ فيه على حدٍّ سواء.
وقال أبو حنيفة: لا تكونُ الأمة فراشاً بأوَّلِ ولد ولدته مِن السيد، فلا يلحقُه الولدُ إلا إذا استلحقه، فيلحقه حينئذ بالاستلحاق، لا بالفِراشِ، فما ولدت بعد ذلك لَحقه إلا أن يَنْفِيَه، فعندهم ولدُ الأمة لا يلحق السيدَ بالفراش، إلا أن يتقدَّمه ولد مُسْتَلْحَقٌ، ومعلومٌ أن النبىَّ صلى الله عليه وسلم ألحق الولدَ بزَمْعَةَ، وأثبتَ نسبه منه، ولمْ يثْبُتْ قَطُّ أن هذِهِ الأَمَة ولَدَتْ له قبل ذلك غيره، ولا سأل النبىُّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولا استفصل فيه.
قال منازعوهم: ليس لهذا التفصيلِ أصلٌ فى كتابٍ ولا سُنة، ولا أثرٍ عن صاحب، ولا تقتضيهِ قواعدُ الشرع وأصوله، قالت الحنفية: ونحن لا نُنكر كونَ الأمة فراشاً فى الجملة، ولكنه فراش ضعيف، وهى فيه دونَ الحرة، فاعتبرنا ما تعتق به بأن تَلِدَ منه ولداً فيستلحقه، فما ولدت بعد ذلك، لحق به إلا أن يَنْفِيَه، وأما الولد الأوَّل، فلا يلحقه إلا بالاستلحاق، ولهذا قُلتُم: إنه إذا استحلق ولداً مِن أمته لم يلحقه ما بعدَه إلا باستلحاقٍ مستأنف، بخلاف الزوجة، والفرقُ بينهما: أن عقدَ النكاح إنما يُراد للوطء والاستفراش، بخلاف مُلك اليمين، فإن الوطء والاستفراش فيه تابع، ولهذا يجوزُ ورودُه على من يحرم عليه وطؤُها بخلافِ عقد النكاح. قالوا: والحديثُ لا حُجَّةَ لكم فيه، لأن وطء زمعة لم يثبُتْ، وإِنما ألحقه النبىُّ صلى الله عليه وسلم لِعبد أخاً، لأنه استلحقه، فألحقه باستلحاقه، لا بفراش الأب.
قال الجمهورُ: إذا كانت الأمةُ موطوءة، فهى فِراش حقيقة وحُكماً، واعتبارُ ولادتها السابقة فى صيرورتها فراشاً اعتبارُ ما لا دليل على اعتباره شرعاً، والنبىُّ صلى الله عليه وسلم لم يعتبره فى فِراش زَمْعَة، فاعتبارُه تحكم.
وقولُكم: إن الأمةَ لا تفرد للوطء، فالكلام فى الأمة الموطوءة التى اتخذت سِّريَّة وفِراشاً، وجُعِلَتْ كالزوجة أو أحظى منها لا فى أمته التى هى أختُه من الرضاع ونحوها.
وقولُكم: إن وطء زمعةَ لم يثُبت حتَّى يلحق به الولدُ، ليس علينا جوابُه، بل جوابُه على من حكم بلحوق الولد بزمعة، وقال لابنه: هو أخوك.
وقولكم: إنما ألحقه بالأخ لأنه استلحقه: باطل، فإن المستلحق إن لم يُقِرَّ به جميعُ الورثة، لم يلحق بالمقر إلا أن يشهدَ منهم اثنان أنه وُلِدَ على فراش الميت، وعَبْدٌ لم يكن يُقِرُّ له جميعُ الورثة، فإن سودة زوجة النبى صلى الله عليه وسلم أخته، وهىَ لم تُقِرَّ به، ولم تَسْتَلحقهُ، وحتى لو أقَرَّت به مع أخيها عبدٍ، لكان ثبوتُ النسب بالفراش لا بالاستلحاق، فإن النبىَّ صلى الله عليه وسلم صرَّح عقيب حكمه بإلحاق النسب، بأن الولد للفراش معللاً بذلك، منبهاً على قضية كُلِّية عامة تتناولُ هذهِ الواقعةَ وغيرها. ثم جوابُ هذا الاعتراض الباطل المحرِّم، أن ثبوتَ كون الأمة فراشاً بالإقرار من الواطىء، أو وارثه كافٍ فى لحقوق النسب، فإن النبىَّ صلى الله عليه وسلم ألحقه به بقوله: ((ابن وليدة أبى وُلِدَ على فراشه))، كيف وزَمْعَةُ كان صِهرَ النبىِّ صلى الله عليه وسلم، وابنتُه تحته، فكيف لا يثُبت عنده الفِراشُ الذى يلحق به النسب؟
وأما ما نقضتُم به علينا أَنَّه إذا استحلق ولداً مِن أمته، لم يلحقه ما بعدَه إلا بإقرارٍ مستأنَف، فهذا فيه قولان لأصحاب أحمد، هذا أحدُهما، والثانى: أنه يلحقُه وإن لم يستأنِفْ إقراراً، ومن رجَّح القولَ الأول قال: قد يستبرئها السيدُ بعد الوِلادة، فيزولُ حكمُ الفِراش بالاستبراء، فلا يلحقُه ما بعد الأول بإعتراف مستأنف أنه وطئها، كالحال فى أول ولد.
ومن رجَّح الثانى قال: قد يثبت كونُها فراشاً أولاً، والأصلُ بقاء الفراش حتى يَثْبُتَ ما يُزيله، إذ ليس هذا نظيرَ قولكم: إنه لا يلحقُه الولدُ مع اعترافه بوطئها حتى يستلحِقَه، وأبطلُ من هذا الاعتراض قولُ بعضهم، إنه لم يُلحقه به أخاً، وإنما جعله له عبداً، ولهذا أتى فيه بلام التمليك فقال: ((هُوَ لَكَ))، أى: مملوك لك، وقوَّى هذا الاعتراض بأن فى بعض ألفاظ الحديث ((هُوَ لَكَ عبد))، وبأنه أمر سودَةَ أن تحتجِبَ منه، ولو كان أخاً لها لما أمرها بالاحتجاب منه، فدلَّ على أنه أجنبى منها. قال: وقوله: ((الولد للِفراش))، تنبيه على عدم لحوق نسبه بزمعة أى: لم تكن هذه الأمة فراشاً له، لأن الأمة لا تكون فراشاً، والولد إنما هو للِفراش، وعلى هذا يَصِحُّ أمرُ احتجاب سودة منه، قال: ويُؤكده أن فى بعض طرق الحديث: ((احتجبى منه، فإنه ليس لك بأخ)) قالوا: وحينئذ فتبيَّن إنا أسعدُ بالحديث وبالقضاء النبوى منكم.
قال الجمهورُ: الآن حَمِىَ الوطيسُ، والتقت حلقتا البطان فنقول واللَّه المستعان : أمّا قولُكم: إنه لم يُلحقه به أخاً، وإنما جعله عبداً، يردُّه ما رواه محمد بن إسماعيل البخارى فى ((صحيحه)) فى هذا الحديث: ((هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة)) وليس اللام للتمليك، وإنما هى للاختصاص، كقوله: ((الولد للفراش)). فأما لفظة قوله: ((هو لك عبد))، فرواية باطلة لا تَصِحُّ أصلاً. وأما أمرُه سودة بالاحِتجاب منه، فإما أن يكونَ على طريقِ الاحتياطِ لمكان الشبهة التى أورثها الشَّبهُ البَيِّنُ بعُتبة، وإما أن يكون مراعاةً للشَّبهَيْنِ وإعمالاً للدليلين، فإن الفِراش دليلُ لحوق النسب، والشبه بغير صاحبه دليلُ نفيه، فأعمل أمرَ الفراش بالنسبة إِلى المدَّعى لقوته، وأعمل الشَّبه بعُتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبَين سودة، وهذا مِن أحسن الأحكام وأبينها، وأوضحها، ولا يمنع ثبوتُ النسبِ مِن وجه دونَ وجه، فهذا الزانى يثبُت النسبُ منه بينه وبين الولد فى التحريم والبعضية دون الميراثِ والنفقةِ والوِلاية وغيرها، وقد يتخلَّف بعضُ أحكام النسب عنه مع ثبوته لمانع، وهذا كثيرٌ فى الشريعة، فلا يُفكر مِن تخلُّف المحرمية بينَ سودة وبينَ هذا الغلام لمانع الشبه بعتبة، وهل هذا إلا محضُ الفقه؟ وقد علم بهذا معنى قوله: ((ليس لكِ بأخ))، لو صحت هذه اللفظة مع أنها لا تصِحُّ، وقد ضعفها أهلُ العلم بالحديث، ولا نُبالى بصحتها مع قوله لعبد: ((هُو أَخُوكَ))، وإذا جمعت أطرافَ كلام النبى صلى الله عليه وسلم، وقرنت قوله: ((هو أخوك))، بقوله: ((الولد للفراش، وللعاهر الحجرُ))، تبيَّن لك بطلانُ ما ذكروهُ من التأويل، وأن الحديثَ صريحٌ فى خلافه لا يحِتملُه بوجه واللَّه أعلم. والعجب أن منازعينا فى هذه المسألة يجعلُون الزوجة فراشاً لمجرد العقد، وإن كان بينَها وبين الزوج بعد المشرقين، ولا يجعلونَ سُرِّيّتَه التى يتكرَّر استفراشُه لها ليلاً ونهاراً فِراشاً.


 
 توقيع : الalwaafiـوافي

الــــــــalwaafiــــــــوافي


رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
::: حق الله على العباد ::: لشيخنا الدكتور محمد سعيد رسلان حفظه الله تعالى Aboabdalah الصوتيات والمرئيات الإسلامية وأناشيد الأطفال 2 09-16-2009 02:15 AM


الساعة الآن 01:26 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2 (Unregistered) TranZ By Almuhajir