الحلقة الثانية :
[ من أنقذ بنت الشيخ ابن دوشة ]
خطة الهجوم :
في فجر يوم الثلاثاء : 9/1/1252 هـ الموافق : 23/ 4/1836م ، وصلت القوة إلى قرية لية العليا حيث يسكن الشريف ، يقود القوة الشيخ حسن بن مناع ، ويدلهم الكبتن أحمد بن هشبول أبو زلبة العلياني الخبير في شئون الأشراف .
وعلى مقربة من مشارف قصر الشريف ، قسم القائد القوة إلى قسمين ، قسم يبقى في الوادي لمحاصرة القرية عن بعد ، ويمنع دخول أي قادم من خارجها ، وقسم أصطحبه الشيخ حسن ، والنقيب أبو زلبة وهجموا على قصر الشريف ، وكان عدد القوة المهاجمة ( مائة وخمسون رجلا ) .
ولما أحاطوا بالقصر ، قسم الشيخ القوة إلى ثلاثة أقسام ، خمسون رجلا يحيطون بأسوار القرية ، ويصعدون الحصون لية ، وخمسون رجلا ، يحكمون الطوق على القصر ، وخمسون يقتحمون جدار القصر الذي يبلغ ارتفاعه خمسة عشر مترا ، على أكتاف بعضهم البعض .
أقتحمت فرقة الإقتحام القصر مما يلي الأكمة السوداء الواقعة في شرق القصر ، ونزلوا داخل القصر واشتبكوا مع حراسه ، وكان عدد الحراس ثلاثة من العسكريين وأحد الموالي .
فأما العسكريين فقتلوا ، وأما المولى فأمسك المقتحمون به ، وفتحوا باب القصر ، ودخلت بواقي الفرقة المقتحمة إلى جوف القصر ، وتقدم المهاجمون ومعهم المولى يدلهم على حجرة الشريف التي بات فيها ليلته تلك ، وسمعوا احدى بنات الشريف تنادي في أبوها وتقول له : قم يا أبتي فأني أرى النجوم وقد سقطت على الأرض ، تعني بذلك بنادق الفتيل ولم تدري ماذا يحصل .
طرق المهاجمون على الشريف باب حجرته ، فخرج في حالة ذعر وهلع ، وهو يسب المولى والحراس ، يظنهم هم لوحدهم ، وأشهر سيفه في وجوه المهاجمون ويهو يسب ويشتم ، فرد عليه الحارس قائلا : (( مهلا عليك وانظر فنظر فإذا المهاجمون وقد شهروا في وجهه اسلحتهم المختلفة من بنادق ، ورماح ، وسيوف ، وجنابي فصاح وسقط منه سيفه ، وهم يقولون : نحن مزبنة الدخيل ، نحن قوم البنت الأسيرة عنك يا ظالم ، فأخذ يتوسل إليهم أن لا يقتلوه ، وهو يقول ما مسستها ، ما قربتها أنا على عهدي مع أبيها ، فردوا عليه وهم يقولون هون عليك ، إذا صدقت ، فأبشر نطلقك ، ولا نمسك بسوء .
هدأ روعه ، وسار بهم إلى المكان الذي ترقد فيه مع زوجته الثانية وبعض خدمه ، وفتح الباب ، وأخرج لهم البنت التي مضى عليها عشرة أيام لم تذوق الطعام ، صعقت البنت حين رأت والدها ، ثم أجهشت بالبكاء فرحا ، وخوفا وهي لا تصدق ما ترى .
فحصتها أمها التي كانت ترافق الحملة ، وبشرتهم بأن البنت سالمة من أي إعتداء ، وأنه على عهده لأبيها .
عند ذلك قال له المهاجمون : بما أنك أوفيت بوعدك وإن كان قبيحا فعلك ، فأذهب ، ولا تثير أحدا علينا فنثور عليك ، وخرجوا بأسيرتهم ، فلما وصلوا بطن الوادي وكان مزروعا ، وقد استوى على حصاده ، وغذا بالأصوات تعلوا ، العدو ، العدوا ، فقام السكان العسكري منهم ، والمدني ، يطلقون عياراتهم النارية على المهاجمين من بني عمرو ، وكانوا يسمعون بعضهم ، ولا يرى بعضهم بعضا بأسباب الظلام .
فرد ت الفرقة التي ترابط في الحصون عليهم ، فهرعوا وأحتموا بالمنازل ، وقام الذين في الوادي وأضرموا النيران في المزارع ، وجاء ات بقيت القوة التي كانت ترابط على بعد ستمائة متر أو أكثر ، وهجمت على حصون ومنازل قرى لية لينقذوا أخوانهم ثم أحرقوا القرية ، والمزارع بكاملها ، ونهبوا أبلهم ، وأغنامهم ، وأبقارهم ، وعدد من الخيول ، وغادروا ليّة في شكل ، ( دمات ) من نوع عرضة الفروسية الحربية .
وكان يوما أذل الله فيه الظلم والظالمين ، ونصر الحق والمظلومي ن ، وفي وصف ذلك قال شاعر بني عمرو :
مزبنة الدخيل انحن نصرنا شاكي الطغيان
حمينا عرضه المنهوب من سومات لا نذال
عبرنا معه إلى لية ولقصور الشريف أفنان
ومن حوله حرس وجيوش وأصوار وسلسال
دمرناها بمن فيها وخاب الظلم والشيطان
وبنت اللي نخا ابني عمرو سلمت والله الوالي
رددناها مع بوها وهو في نشوة طربان
من ابني عمرو سيف النصر وقت المر والحالي
جرح من بني عمرو ، سبعة وعشرين فارسا ، وليس بينهم ولله الحمد أي قتيل ، أما الجانب الأخر فلا يعلم حالهم ، إلا الحرائق فلم يبقى لهم شيء .
عودة بنو عمرو بالأسيرة :
عاد بنو عمرو بالأسيرة ــ بنت ابن دوشة ــ إلى دار السقيفة ببلاد عليان ، في باشوت ، وقد أستظافهم شيخ وقبائل زهران ، ورفعت لهم الرايات البيضاء من أسواق زهران ، ثم غامد ، ثم خثعم ، ثم وصلوا بها إلى دار السقيفة ، فأستقبلته م قبيلة عليان استقبالا حافلا ، وأقامت لهم حفلا كبيرا لم يسبق له مثيل ، ولما كان عددهم كبيرا ، ولم تتسع له أماكن القرية ، أقاموا العرضات في : ( المزرعة المعروفة بحائط آل مقدح ) ، وهي من أملاك أسرة آل مستور بن محمد العلياني ، من دار السقيفة .
وهذه رزفة ( أو قصيدة )المدقال من شاعر القوة ، قالها يوم وردوا إلى دار السقيفة :
يا الله إنا طلبنا عالم سدنا
يا سلا لسيف راسى في البراعة
يا بني خثعم أهل النيمسي أهلها
حن بني عمرو يشهد لي فعل جدنا
والحنيني إذا ما جا يذب الزراعة
وأن تقلوى يغط اجبال وسهولها
شعراء القبائل يشيدون بفعل بني عمرو
ـــــــــ ـــــــــ ـــــــــ ـــــــــ ـــــ
أنتهت الحلقة الثانية ، ويليها الثالثة .