عرض مشاركة واحدة
قديم 04-28-2010, 09:53 AM   #14


الصورة الرمزية الرهيب معكم
الرهيب معكم غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 6889
 تاريخ التسجيل :  Aug 2006
 أخر زيارة : 10-01-2023 (01:01 AM)
 المشاركات : 3,881 [ + ]
 التقييم :  1
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



النهر الصغير
نص:


كــان النهرُ الصغير، يجري ضاحكاً مسروراً، يزرع في خطواته
الخصبَ، ويحمل في راحتيه العطاء.. يركض بين الأعشاب، ويشدو بأغانيه الرِّطاب، فتتناثر حوله فرحاً أخضر..‏
يسقي الأزهار الذابلة، فتضيء ثغورها باسمة. ويروي الأشجار الظامئة، فترقص أغصانها حبوراً ويعانق الأرض الميتة، فتعود إليها الحياة.‏
ويواصل النهر الكريم، رحلةَ الفرحِ والعطاء، لا يمنُّ على أحد، ولا ينتظر جزاء..‏
وكان على جانبه، صخرة صلبة، قاسية القلب، فاغتاظت من كثرة جوده، وخاطبته مؤنّبة:‏
-لماذا تهدرُ مياهَكَ عبثاً؟!‏
-أنا لا أهدر مياهي عبثاً، بل أبعث الحياة والفرح، في الأرض والشجر، و..‏
-وماذا تجني من ذلك؟!‏
-أجني سعادة كبيرة، عندما أنفع الآخرين‏
-لا أرى في ذلك أيِّ سعادة!‏
-لو أعطيْتِ مرّة، لعرفْتِ لذّةَ العطاء .‏
قالت الصخرة:‏
-احتفظْ بمياهك، فهي قليلة، وتنقص باستمرار.‏
-وما نفع مياهي، إذا حبستها على نفسي، وحرمْتُ غيري؟!‏
-حياتكَ في مياهكَ، وإذا نفدَتْ تموت .‏
قال النهر:‏
-في موتي، حياةٌ لغيري .‏
-لا أعلمُ أحداً يموتُ ليحيا غيره!‏
-الإنسانُ يموتُ شهيداً، ليحيا أبناء وطنه.‏
قالت الصخرة ساخرة:‏
-سأُسمّيكَ بعد موتكُ، النهر الشهيد!‏
-هذا الاسم، شرف عظيم.‏
لم تجدِ الصخرةُ فائدة في الحوار، فأمسكَتْ عن الكلام.‏
**‏
اشتدَّتْ حرارةُ الصيف، واشتدّ ظمأُ الأرض والشجر والورد، و..‏
ازداد النهر عطاء، فأخذَتْ مياهه، تنقص وتغيض، يوماً بعد يوم، حتى لم يبقَ في قعره، سوى قدرٍ يسير، لا يقوى على المسير..‏
صار النهر عاجزاً عن العطاء، فانتابه حزن كبير، ونضب في قلبه الفرح، ويبس على شفتيه الغناء.. وبعد بضعة أيام، جفَّ النهر الصغير، فنظرَتْ إليه الصخرةُ، وقالت:‏
-لقد متَّ أيها النهر، ولم تسمع لي نصيحة!‏
قالت الأرض:‏
-النهر لم يمتْ، مياهُهُ مخزونة في صدري.‏
وقالت الأشجار:‏
-النهر لم يمتْ، مياهه تجري في عروقي‏
وقالت الورود:‏
-النهر لم يمت، مياهه ممزوجة بعطري.‏
قالت الصخرة مدهوشة:‏
لقد ظلَّ النهرُ الشهيدُ حياً، في قلوب الذين منحهم الحياة!‏
***‏
وأقبل الشتاء، كثيرَ السيولِ، غزيرَ الأمطار، فامتلأ النهرُ الصغير بالمياه، وعادت إليه الحياة، وعادت رحلةُ الفرح والعطاء، فانطلق النهر الكريم، ضاحكاً مسروراً، يحمل في قلبه الحب، وفي راحتيه العطاء..
تأليف: عارف الخطيب


 

رد مع اقتباس