فصل
وليس منه بيعُ المسك في فأرته، بل هو نظيرُ ما مأكوله في جوفه كالجوز واللوز والفُستق وجوز الهند، فإن فأرته وعاء له تصونُه مِن الآفات، وتحفظ عليه رطوبته ورائحتَه، وبقاؤه فيها أقربُ إلى صيانته مِن الغش والتغير، والمسك الذي في الفأرة عند الناس خير من المنفوض، وجرت عادة التجار بيعه وشرائه فيها، ويعرفون قدره وجنسه معرفة لا تكاد تختلِف، فليس مِن الغرر في شيء، فإن الغرر هو ما تردد بين الحصول والفوات، وعلى القاعدة الأخرى: هو ما طُوِيَتْ معرفتُه، وجُهِلَتْ عينُه، وأما هذا ونحوه، فلا يُسمى غرراً لا لغةً ولا شرعاً ولا عُرفاً، ومن حَرَّمَ بيعَ شيء، وادعى أنه غُرِّرَ، طُولِب بدخوله في مسمى الغرر لغة وشرعاً، وجوازُ بيع المسك في الفأرة أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وهو الراجحُ دليلاً، والذين منعوه جعلوه مثل بيع النوى في التمر، والبيض في الدجاج، واللبن في الضرع، والسمن في الوعاء، والفرقُ بين النوعين ظاهر.
ومنازعوهم يجعلونه مثلَ بيع قلب الجوز واللوز والفستق في صِوانه، لأنه من مصلحته، ولا ريبَ أنه أشبهُ بهذا منه بالأول، فلا هو مما نهى عنه الشارعُ، ولا في معناه، فلم يشمَلْهُ نهيُه لفظاً ولا معنى.
وأما بيعُ السمن في الوعاء، ففميه تفصيل، فإنه إن فتحه، ورأى رأسه بحيث يدُلُه على جنسه ووصفه، جاز بيعُه في السِّقاء، لكنه يصيرُ كبيع الصُّبرة التي شاهد ظاهرها وإن لم يره، ولم يُوصف له، لم يجز بيعُه، لأنه غرر، فإنه يختلِفُ جنساً ونوعاً ووصفاً، وليس مخلوقاً في وعائه كالبيضِ والجوز واللوز والمسك في أوعيتها، فلا يصح إلحاقُه بها.
وأما بيعُ اللبن في الضرع، فمنعه أصحابُ أحمد والشافعي وأبي حنيفة والذي يجب فيه التفصيلُ، فإن باع الموجودَ المشاهدَ في الضرع، فهذا لا يجوز مفرداً، ويجوز تبعاً للحيوان، لأنه إذا بيعَ مفرداً تعذر تسليمُ المبيع بعينه، لأنه لا يُعرف مقدارُ ما وقع عليه البيع، فإنه وإن كان مشاهداً كاللبن في الظرف، لكنه إذا حلبه خلفه مثله مما لم يكن في الضرع، فاختلط المبيعُ بغيره على وجه لا يتميز، وإن صح الحديثُ الذي رواه الطَّبرانِي في ((مُعْجَمِهِ)) من حديث ابن عباس أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ((نهى أن يُباع صوفٌ على ظهر، أو لَبَنٌ في ضَرْعٍ)) فهذا إن شاء اللّه محمله، وأما إن باعه آصعاً معلومة من اللبن يأخذه مِن هذه الشاة، أو باعه لبنَها أياماً معلومة، فهذا بمنزلة بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها لا يجوزُ، وأما إن باعه لبناً مطلقاً موصوفاً في الذمة، واشترط كونه مِن هذه الشاة أو البقرة، فقال شيخنا: هذا جائز، واحتج بما في ((المسند)) من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُسلم في حائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحُه. قال فإذا بدا صلاحه، وقال: أسلمتُ إليك في عشرة أوسق مِن تمرِ هذا الحائط، جاز كما يجوز أن يقول: ابتعتُ منك عشرَة أوسق مِن هذه الصُّبرة، ولكن الثمن يتأخر قبضُه إلى كمال صلاحه، هذا لفظه.
فصل
وأما إن أجره الشاةَ أو البقرة أو النَاقة مدةً معلومة لأخذ لبنها في تلك المدة، فهذا لا يُجَوِّزُه الجمهورُ؟ واختار شيخُنا جوازه، وحكاه قولاً لبعض أهل العلم، وله فيها مصنَّفٌ مفرد، قال: إذا استأجر غنماً أو بقراً، أو نوقاً أيامَ اللبن بأجرة مسماة، وعلفُها على المالِك، أو بأجرة مسماة مع علفها على أن يأخُذَ اللبن، جاز ذلك في أظهر قولي العلماء كما في الظِّئر قال: وهذا يُشبه البيع، ويُشبه الإِجارة، ولهذا يذكرُه بعضُ الفقهاء في البيع، وبعضُهم في الإِجارة، لكن إذا كان اللبن يحصُل بعلف المستأجر وقيامه على الغنم، فإنه يشبه استئجار الشجر، وإن كان المالك هو الذي يَعلِفُها، وإنما يأخذُ المشتري لبناً مقدراً، ففذا بيعٌ محضٌ، وإن كان يأخذ اللبن مطلقاً، فهو بيعٌ أيضاً، فإن صاحب اللبن يُوفيه اللبن بخلاف الظئر، فإنما هي تسقي الطفل، وليس فذا داخلاً فيما نهى عنه صلى الله عليه وسلم مِن بيع الغَرَرِ، لأن الغرر تردُّدٌ بين الوجود والعدم، فنهى عن بيعه، لأنه مِن جنس القمار الذي هو الميسر، والله حرم ذلك لما فيه مِن أكل المال بالباطل، وذلك مِن الظلم الذي حرمه اللّهُ تعالى، وهذا إنما يكون قماراً إذا كان أحدُ المتعاوضين يحصلُ له مال، والآخر قد يحصُل له وقد لا يحصل، فهذا الذي لا يجوزُ كما في بيع العبد الآبق، والبعير الشارد، وبيع حَبَلِ الحَبَلَةِ، فإن البائع يأخذُ مال المشتري، والمشتري قد يحصل لَهُ شَيء، وقد لا يَحصُل، ولا يعرف قدر الحاصل، فأما إذا كان شيئاً معروفاً بالعادة كمنافع الأعيان بالإِجارة مثل منفعة الأرض والدابة، ومثلِ لبن الظئر المعتاد، ولبنِ البهائم المعتاد، ومثلِ الثمر والزرع المعتاد، فهذا كُلُّهُ من باب واحد وهو جائز.
ثم إن حصل على الوجه المعتاد، وإلا حطَّ عن المستأجر بقدر ما فات مِن المنفعة المقصودة، وهو مثلُ وضع الجائحة في البيع، ومثلُ ما إذا تلف بعضُ المبيع قبل التمكن مِن القبض في سائر البيوع.
فإن قيل: مَوْرِدُ عقد الإِجارة إنما هو المنافع، لا الأعيان، ولفذا لا يَصِحُ استئجارُ الطعامِ ليأكله، والماء ليشربه، وأما إجارة الظئر، فعلى المنفعة وهي وضع الطفل في حَجرها، وإلقامُه ثديها، واللبنُ يدخل ضمناً وتبعاً، فهو كنقع البئر في إجارة الدار، ويغتفر فيما دخل ضمناً وتبعاً ما لا يُغتفر في الأصول والمتبوعات.
قيل: الجواب عن هذا من وجوه.
أحدها: منع كون عقد الإِجارة لا يَرِدُ إلا على منفعة، فإن هذا ليس ثابتاً بالكتاب ولا بالسنة ولا بالإِجماع، بل الثابتُ عن الصحابة خلافه، كما صحَّ عن عمر رضي اللّه عنه أنه قَبَل حديقة أسيدِ بنِ حضير ثلاث سنين، وأخذ الأجرة فقضى بها دينَه، والحديقة: هي النخل، فهذه إجارة الشجر لأخذ ثمرها، وهو مذهبُ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، ولا يُعلم له في الصحابة مخالف، واختاره أبو الوفاء بن عقيل من أَصحَابِ أحمد، واختيار شَيْخنا، فقولُكم: إن مورد عقد الإِجارة لا يكون إلا منفعة غيرُ مسلم، ولا ثابت بالدليل، وغاية ما معكم قياس محل النزاع على إجارة الخبز للأكل، والماء للشرب، وهذا مِن أفسد القياس، فإن الخبز تذهب عينُه ولا يُسْتَخْلَفُ مثله بخلاف اللبن ونقع البئر، فإنه لما كان يستخلف ويحدث شيئاً فشيئاً، كان بمنزلة المنافع.
يوضحه الوجه الثاني: وهو أن الثمر يجري مجرى المنافع والفوائد في الوقف والعارِيَّة ونحوها فيجوزُ أن يقف الشَّجَرة لِينتفع أهلُ الوقف بثمراتها كمَا يقفُ الأرض، لينتفعَ أهلُ الوقف بِغلَّتِها، ويجوز إعارةُ الشجرة، كما يجوز إعارة الظهر، وعاريَّة الدارِ، ومنيحةُ اللبن، وهذا كُلُ تبرع بنماء المال وفائدته، فإن من دفع عقاره إلى مَنْ يسكنُه، فهو بمنزلة مَنْ دفع دابتَه إلى من يركبها، وبمنزلة مَن دفع شجرة إلى من يستثمِرُها، وبمنزلة مَنْ دفع أرضَه إلى من يزرَعُها، وبمنزلة مَنْ دفع شاته إلى من يشربُ لبنها، فهذه الفوائدُ تدخُلُ في عقود التبرع، سواء كان الأصل مُحَبَّساً بالوقف، أو غير محبس. ويدخل أيضاً في عقود المشاركات، فإنه إذا دفع شاة، أو بقرة، أو ناقة إلى من يعمل عليها بجزء مِن دَرِّها ونسلها، صحَّ على أصح الروايتين عن أحمد فكذلك يدخلُ في العقود للإِجارات.
يوضحه الوجه الثالث: وهو أن الأعيانَ نوعانِ: نوع لا يستخلف شيئاً فشيئاً، بل إذا ذهب، ذهب جملة، ونوع يُسْتَخْلَفُ شيئاً فشيئاً، كُلَّما ذهبَ منه شيء، خلفه شيء مثله، فهذا رتبةٌ وسطى بين المنافع وبين الأعيان التي لا تُسْتَخْلَفْ، فينبغي أن ينظر في شَبَهِهِ بأيِّ النوعين، فيُلحق به، ومعلوم أن شَبَهَهُ بالمنافع أقوى، فإلحاقه بها أولى.
يوضحه الوجه الرابع: وهو أن اللّه سبحانه نصَّ في كتابه على إجارة الظئر، وسمَّى ما تأخذه أجراً، وليس في القرآن إجارة منصوص عليها في شريعتنا إلا إجارة الظِّئرِ بقوله تعالى: {فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُم فآتُوهُنَّ أُجُورَهنَّ وأتَمِرُوا بَينَكُمْ بِمَعروفٍ} [الطلاق: 6]، قال شيخنا: وإنما ظن الظانُّ أنها خلافُ القياس حيث توهَّم أن الإِجارة لا تكون إلا على منفعة، وليس الأمرُ كذلك، بل الإِجارة تكونُ على كل ما يُستوفى مع بقاء أصله، سواء كان عيناً أو منفعة، كما أن هذه العينَ هي التي تُوقف وتُعار فيما استوفاه الموقوف عليه والمستعيرُ بلا عوض يستوفيه المستأجرُ وبالعوض، فلما كان لبن الظئر، مستوفى مع بقاء الأصل، جازت الإِجارة عليه كما جازت على المنفعة، وهذا محضُ القياس، فإن هذه الأعيانَ يُحدثها الله شيئاً بعد شيءٍ، وأصلُها باقٍ كما يُحدِثُ اللهُ المنافعَ شيئاً بعد شيء، وأصلُها باقٍ.
ويوضحه الوجهُ الخامِسُ: وهو أن الأصل في العقود وجوبُ الوفاء إلا ما حرَّمه اللهُ ورسولُه، فإن المسلمين على شروطهم إلا شرطاً أحلَّ حراماً، أو حرَّم حلالاً، فلا يحرُم مِن الشروط والعقود إلا ما حرَّمه اللهُ ورسولُه، وليس مع المانعين نصّ بالتحريم البتة، وإنما معهم قياسٌ قد عُلِمَ أن بينَ الأصل والفرع فيه مِن الفرق ما يمنع الإِلحاق، وأن القياسَ الذي مع مَنْ أجاز ذلك أقربُ إلى مساواة الفرع لأصله، وهذا ما لا حيلة فيه، وباللّه التوفيق.
يوضحه الوجه السادس: وهو أن الذين منعوا فذه الإِجارة لما رأوا إجارة الظئر ثابتةً بالنص والإِجماع، والمقصودَ بالعقد إنما هو اللبنُ، وهو عينٌ، تمحَّلُوا لجوازها أمراً يعلمون هم والمرضعةُ والمستأجرُ بطلانَه، فقالوا: العقدُ إنما وقع على وضعها الطفل في حَجرها وإلقامه ثديها فقط، واللبن يدخل تبعاً، والله يعلم والعقلاء قاطبة أن الأمر ليسَ كذلك، وأن وضع الطفل في حَجرها ليس مقصودا أصلاً، ولا ورد عليه عقدُ الإِجارة، لا عرفاً ولا حقيقةً ولا شرعاً، ولو أرضعت الطفلَ وهو في حَجر غيرها، أو في مهده، لاستحقت الأجرة، ولو كان المقصودُ إلقامَ الثدي المجرد، لاستؤجر له كل امرأة لها ثدي، ولو لم يكن لها لبن، فهذا هو القياسُ الفاسِدُ حقاً، والفقه البارد، فكيف يقال: إن إجارةَ الظِّئر على خلاف القياس، ويُدعى أن هذا هو القياسُ الصحيح.
|