وفصل ابن حامد فقال: يدفعه بالأسهل، فيبدأ بقوله: انصرف واذهب، وإلا نفعل بك كذا.
قلت: وليس فى كلام أحمد، ولا فى السنة الصحيحة ما يقتضى هذا التفصيلَ بل الأحاديث الصحيحة تدل على خلافه، فإن فى ((الصحيحين)) عن أنس، أن رجلاً أطلع مِن جُحر في بعض حُجر النبى صلى الله عليه وسلم، فقام إليه بمِشْقًص أو بمشَاقِص، وجعل يَخْتِلُه ليطْعُنَه، فأين الدفعُ بالأسهل وهو صلى الله عليه وسلم يختِلُه، أو يختبىء له، ويختفى لِيَطْعُنَه.
وفى ((الصحيحين)) أيضاً: من حديث سهل بن سعد، أن رجلاً اطلع فى جُحْر فى باب النبىّ صلى الله عليه وسلم، وفى يد النبىِّ صلى الله عليه وسلم مِدْرَىً يَحُكُّ بِهِ رَأْسَه، فلمَّا رآهُ قال: ((لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تنظُرنى لَطَعَنْتُ به فى عَيْنِك، إِنَّمَا جُعِلَ الإذْنُ مِنْ أَجْلِ البَصَر)).
وفيهما أيضاً: عن أبى هُريرة رضى الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لَوْ أَنَّ امْرءاً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ)).
وفيهما أيضاً: ((مَنْ اطَّلَعَ فى بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفَقؤوا عَيْنَهُ فَلاَ دِيَةَ لَهُ وَلاَ قِصَاصَ)).
وهذا اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: ليس هذا مِن بابِ دفعِ الصائل، بل مِن باب عقوبةِ المعتدى المؤذى، وعلى هذا فيجوزُ له فيما بينَه وبين الله تعالى قتلُ من اعتدى على حريمِه، سواء كان محصَناً أو غيرَ محصن، معروفاً بذلك أو غيرَ معروف، كما دل عليه كلام الأصحاب، وفتاوى الصحابة، وقد قال الشافعى وأبو ثور: يسعُه قتلُه فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان الزانى محصناً، جعلاه من باب الحدود. وقال أحمد وإسحاق: يُهدَرُ دمُه إذا جاء بشاهدين ولم يُفصِّلا بين المحصن وغيره. واخْتلّفَ قولُ مالك في هذه المسألة، فقال ابنُ حبيب: إن كان المقتولُ محصناً، وأقام الزوجُ البينة، فلا شىء عليه، وإلا قُتِل به، وقال ابنُ القاسم: إذا قامت البينةُ فالمحصَنُ وغيرُ المحصَنِ سواء، ويُهدر دمه، واستحب ابنُ القاسم الديةَ فى غير المحصَن.
فإن قيل: فما تقولون فى الحديث المتفق على صحته، عن أبى هريرة رضى الله عنه، أن سعد بن عبادة رضى الله عنه قال: يا رسولَ الله: أرأيتَ الرجلَ يَجِدُ مع امرأته رجلاً أيقتُلُه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا))، فقال سَعْدٌ: بَلَى والَّذِى بَعَثَكَ بالحَقِّ، فقال رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: ((اسْمَعُوا إلى مَا يَقُولُ سًيِّدُكُم)).
وفى اللفظ الآخر: ((إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امرأتِى رَجُلاً أُمْهِلُهُ حَتَّى آتى بأَرْبَعَةِ شُهَدَاء؟ قال: ((نعم)) قال: والَّذى بَعَثَكَ بالحَقِّ إِنْ كُنْتُ لأُعَاجِلُهُ بالسَّيْفِ قَبْلَ ذلِكَ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((اسْمَعُوا إِلى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُم إِنَّهُ لَغَيُورٌ وأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، واللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّى؟)).
قلنا:نتلقاه بالقبول والتسليم، والقول بموجبه، وآخِرُ الحديث دليل على أنه لو قتله لم يُقد به، لأنه قال: بلى والذى أكرمَكَ بالحق، ولو وجب عليه القصاصُ بقتله، لما أقره على هذا الحلف، ولما أثنى على غَيْرَته، ولقال: لو قتلَته قُتِلتَ به وحديث أبى هريرة صريحٌ فى هذا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَة سَعْدٍ فَوَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ واللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّى))، ولم ينكر عليه، ولا نهاه عن قِتله لأن قولَه صلى الله عليه وسلم حُكم ملزم، وكذلكَ فتواه حكم عام للأمة، فلو أذن له فى قتله، لكان ذلك حكماً منه بأن دمه هدرٌ فى ظاهر الشرع وباطنه، ووقعت المفسدةُ التى درأها اللَّهُ بالقِصاص، وتهالك الناس فى قتل من يريدون قتله فى دورهم، ويدَّعونَ أنهم كانُوا يَرَوْنَهُم على حريمهم، فسدَّ الذَّرِيعَةَ، وحَمى المفسدَة، وصان الدماء، وفى ذلك دليل على أنه يُقبل القاتل، ويُقاد به فى ظاهر الشرع، فلما حلف سعد أنه يقتلُه ولا ينتظر به الشهود، عَجِبَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم من غَيْرَتِه، وأخبر أنه غَيُورٌ، وأنه صلى الله عليه وسلم أغيرُ منه، واللَّهُ أشدُّ غَيرةً، وهذا يحتمِلُ معنيين.
أحدهما: إقراره وسكوُته على ما حلف عليه سعدٌ أنه جائز له فيما بينَه وبَيْنَ اللَّهِ، ونهيه عن قتله فى ظاهر الشرع، ولا يناقض أولُ الحديث آخِرَه.
والثانى: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك كالمنكِرِ على سعد، فقال: ((أَلاَ تَسْمَعُونَ إلى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُم)) يعنى: أنا أنهاه عن قتلِه وهو يقُول: بلى، والذى أكرمك بالحق، ثم أخبر عن الحامل له على هذه المخالفة، وأنه شِدَّةُ غَيْرَتِه، ثم قال: أنا أغيرُ مِنْهُ، واللَّه أغيرُ منى. وقد شرع إِقامة الشهداء الأربعة مع شِدَّةِ غيرته سبحانه، فهى مقرونةٌ بحكمة ومصلحة، ورحمة وإحسان، فاللَّه سبحانه مع شدّة غَيرته أعلم بمصالح عباده، وما شرعه لهم من إقامة الشهود الأربعة دون المبادرة إلى القتل، وأنا أغيرُ من سعد، وقد نهيته عن قتله، وقد يُريد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كلا الأمرين، وهو الأليقُ بكلامه وسياق القصة.
فصل
فى حُكمِه صلى الله عليه وسلم فى لُحُوق النسب بالزَّوج إذا خالف لونُ ولده لونَه
ثبت عنه فى ((الصحيحين)) أن رَجلاً قال له: إن امرأتى ولدت غلاماً أَسْوَدَ كأَنه يُعَرِّضُ بنفيهِ، فقال النبىُّ صلى الله عليه وسلم ك ((هَلْ لَكَ مِنْ إِبلٍ))؟ قال: نعم. قال: ((مَا لَوْنُهَا؟)) قال: حُمْرٌ. قال: ((فَهَل فيها مِنْ أَوْرَق؟)) قال: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((فَأَنَّى أَتَاهَا ذلِكَ؟)) قال: لَعَلْهُ يَا رَسُول اللَّهِ يكونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. فقال النبىُّ صلى الله عليه وسلم: ((وهذَا لَعَلَّهُ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ)).
وهذا الحديث مِن الفقه: أن الحدّ لا يجِبُ بالتعرِيضِ إِذا كان على وجهِ السؤالِ والاستفتاء، ومن أخذ منه أنه لا يجبُ بالتعريضِ ولو كان على وجه المُقَابَحة والمشاتمة، فقد أَبْعَدَ النُّجْعَةَ، ورُبَّ تعريضٍ أفهمُ، وأوجعُ للقلب، وأبلغُ فى النكاية من التصريح، وبساطُ الكلام وسياقُه يردُّ ما ذكروه من الاحتمال، ويجعلُ الكلام قطعىَّ الدِّلالة على المراد.
وفيه أن مجرد الرِّيبةِ لا يُسَوِّغُ اللِّعانَ ونفى الولد.
وفيه ضربُ الأمثال والأشباه والنظائر فى الأحكام، ومِن تراجم البخارى فى ((صحيحه)) على هذا الحديث: باب من شبه أصلاً معلوماً بأصل مبين قد بيَّن الله حكمه ليُفهمَ السائِلَ، وساق معه حديثَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ كانَ عَلَى أمِّكَ دَيْنٌ؟)).
|