فصل
الثالث: أنه لا فرقَ بينَ التحريم فى غير الزوجة بين الأمة وغيرها عند الجمهور إلا الشافعىَّ وحدَه، أوجب فى تحريم الأمة خاصة كفارةَ يمين، إذ التحريمُ له تأثير فى الأبضاع عنده دون غيرها.
وأيضاً فإن سببَ نزول الآية تحريمُ الجارية، فلا يخرُجُ محلُّ السبب عن الحكم، ويتعلَّق بغيره، ومنازعوه يقولون: النص علق فرض تَحِلَّة اليمين بتحريم الحلال، وهو أعمُّ من تحريم الأمة وغيرها، فتجب الكفارة حيث وجد سببها، وقد تقدم تقريرهُ.
حكمُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فى قول الرَّجُلِ لامرأته: الحقى بأَهْلِكِ
ثبت فى صحيح البخارى: أن ابنةَ الجَوْنِ لما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودَنَا منها قالت: أعوذُ باللَّهِ منكَ، فقالَ: ((عُذْتِ بِعَظِيمٍ الحَقى بِأَهْلِكِ)).
وثبت فى ((الصحيحين)): أن كعب بنَ مالك رضى الله عنه لما أتاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ((يأمُرُه أن يعتزِلَ امرأته، قال لها: الحقى بأهلك)).
فاختلف الناسُ فى هذا، فقالت طائفة: ليس هذا بطلاق، ولا يقعُ به الطلاقُ نواه أو لم ينوه، وهذا قولُ أهل الظاهر. قالوا: والنبىُّ صلى الله عليه وسلم لم يكن عقد على ابنة الجَوْنِ، وإنما أرسل إليها لِيَخطُبها. قالوا: وَيَدُلُّ على ذلك ما فى صحيح البخارى: من حديث حمزة بن أبى أُسيد، عن أبيه، أنه كان مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقد أُتِىَ بالجَوْنِيةِ، فأُنزلت فى بيت أُميمة بنت النعمان بن شراحبيل فى نخل ومعها دابتُها، فدخل عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((هَبى لى نَفْسَكِ))، فقالت: وهَلْ تَهَبْ المَلِكةُ نَفْسَها للسُّوقَةِ، فَأَهْوَى لِيَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتسْكُنَ، فَقَالَتْ: أَعُوذُ باللَّهِ مِنْكَ فقالَ: ((قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذ))، ثم خَرَجَ فقال: ((يَا أَبا أُسَيْد: اكْسُهَا رازِقِيَّيْنِ وأَلْحِقْهَا بأَهْلِهَا)).
وفى ((صحيح مسلم)): عن سهل بن سعد، قال: ذُكرَتْ لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم امرأةٌ مِن العرب، فأمر أَبا أُسَيْدٍ أن يُرْسِلَ إليها، فأرسل إليها،فَقَدِمَتْ، فنزلت فى أُجُمِ بنى سَاعِدَة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءها فدخل عليها، فإذا امرأة منكِّسة رأسها، فلمَّا كلمها، قالت: أَعوذُ باللِّهِ منك، قال: ((قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّى))، فقالوا لها: أتدرينَ مَنْ هذا؟ قالتْ: لا، قالوا: هذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جاءَك لِيخْطُبَك، قالت: أنا كنتُ أشقى من ذلك.
قالوا: وهذه كُلُّهَا أخبارٌ عن قصة واحدة، فى امرأة واحدة، فى مقام واحد، وهى صريحة أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لم يكن تزوَّجها بعدُ، وإنما دخل عليها لِيخْطُبَها.
وقال الجمهور منهم الأئمة الأربعة وغيرهم : بل هذا من ألفاظ الطلاق إذا نوى به الطلاق، وقد ثبت فى صحيح البخارى: أن أبانا إسماعيل بن إبراهيم طلَّق به امرأَته لما قال لها إبراهيم: ((مُرِيه فلِّيغَيِّرْ عَتَبَةَ بابِهِ))، فقال لها: أنتِ العتبةُ، وقد أمرنى أن أُفارِقَكِ، الحقى بأهلك وحديث عائشة كالصريح، فى أنه صلى الله عليه وسلم كان عَقَدَ عليها، فإنه قالت: لما أُدخلت عليه، فهذا دخولُ الزوج بأهِله، ويُؤكّده قولها: ودنا منها.
وأما حديث أبى أُسيد، فغايةُ ما فيه قوله: ((هِبى لِى نَفْسَكِ))، وهذا لا يدل على أنه لم يتقدم نِكاحُه لها، وجاز أن يكون هذا استدعاءً منه صلى الله عليه وسلم للدُّخول لا للعقد.
وأما حديث سهل بن سعد، فهو أصرحُها فى أنه لم يكن وُجدَ عقد، فإنَّ فيه أنه صلى الله عليه وسلم لما جاء إليها قالُوا: هذا رسولُ الله جاء لِيخطُبَكِ، والظاهرُ أنها هى الجونية، لأن سهلاً قال فى حديثه: فأمر أبا أُسيد أن يُرْسِلَ إليها، فأرسل إليها. فالقصةُ واحدة دارت على عائشة رضى الله عنها وأبى أسيد وسهل، وكُلٌّ منهم رواها، وألفاظُهم فيها متقاربة، ويبقى التعارض بين قوله: جاء ليخطبك، وبين قوله: فلما دخل عليها، ودنا منها: فإما أن يكون أحدُ اللفظين وهماً، أو الدخولُ ليس دخول الرجل على امرأته، بل الدخول العام، وهذا محتمل.
وحديثُ ابنِ عباس رضى الله عنهما فى قصة إسماعيل صريح، ولم يزل هذا اللفظُ من الألفاظ التى يُطلَّقُ بها فى الجاهلية والإسلام، ولم يغيره النبى صلى الله عليه وسلم، بل أقرهم عليه، وقد أوقع أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطلاقَ وهُمُ القدوةُ: بأنتِ حرام، وأمرُك بيدك، واختاري، ووهبتُك لأهلك، وأنت خلية وقد خلوتِ مني، وأنت برية وقد أبرأتك، وأنتِ مبرَّأة، وحبلُك على غاربِك، وأنتِ الحرجُ. فقال على وابن عمر: الخليةُ ثلاث، وقال عمر: واحدة، وهو أحقُّ بهَا. وفرَّق معاوية بين رجل وامرأته قال لها: إن خرجت فأنت خلية، وقال على وابنُ عمر رضي الله عنهما، وزيد فى البرية: إنها ثلاث. وقال عمر رضى الله عنه: هى واحدة وهو أحق بها، وقال على في الحرج: هى ثلاث، وقال عمر: واحدة، وقد تقدم ذكر أقوالهم فى أمرك بيدك، وأنت حرام.،واللَّه سبحانه ذكر الطلاقَ ولم يُعين له لفظاً، فعلم أَنه ردَّ الناسَ إلى ما يتعارفونه طلاقاً، فإن جرى عرفهم به، وقع به الطلاقُ مع النيَّة، والألفاظُ لا تُراد لعينها، بل للدلالة على مقاصد لافظها، فإذا تكلَّم بلفظ دال على معنى، وقصد به ذلك المعنى، ترتَّب عليه حكمه، ولهذا يقع الطلاقُ مِن العجمى والتركى والهندى بألسنتهم، بل لو طلَّق أحدهم بصريحِ الطلاق بالعربية ولم يفهم معناه، لم يقع به شىء قطعاً، فإنه تكلّم بما لا يفهم معناه ولا قصده، وقدْ دل حديثُ كعب بن مالك على أن الطلاقَ لا يقعُ بهذا اللفظ وأمثاله إلا بالنية.
والصوابُ أن ذلك جارٍ فى سائر الألفاظ صرِيحِها وكنايِتها، ولا فرق بين ألفاظِ العتق والطلاق، فلو قال: غلامى غلامٌ حرٌ لا يأتى الفواحش، أو أمتى أمةٌ حرة لا تبغى الفجورَ، ولم يخطر بباله العتقُ ولا نواه، لم يعتق بذلك قطعاً، وكذلك لو كانت معه امرأته فى طريق فافترقا، فقيل له: أين امرأتُكَ؟ فقال: فارقتُها، أو سرَّح شعرها وقال: سرحتُها ولم يُرد طلاقاً، لم تطلق. كذلك إذا ضربها الطلق وقال لغيره إخباراً عنها بذلك: إنها طالق، لم تطلق بذلك، وكذلك إذا كانت المرأة فى وثَاق فأطلقت منه، فقال لها: أنتِ طالق، وأراد من الوثاق. هذا كله مذهبُ مالك وأحمد فى بعض هذه الصور، وبعضها نظير ما نص عليه، ولا يقعُ الطلاقُ به حتى ينويَه، ويأتى بلفظ دال عليه، فلو انفرد أحدُ الأمرين عن الآخر، لم يقع الطلاق، ولا العتاق، وتقسيمُ الألفاظ إلى صريح وكناية وإن كان تقسيماً صحيحاً فى أصل الوضع، لكن يختلِفُ بإختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فليس حكماً ثابتاً للفظ لذاته، فُربَّ لفظٍ صريح، عند قوم كناية آخرين، أو صريح فى زمان أو مكان كنايةٌ فى غير ذلك الزمان والمكان، والواقعُ شاهد بذلك، فهذا لفظ السَّراحِ لا يكادُ أحدٌ يستعمله فى الطلاق لا صريحاً ولا كناية، فلا يسوغُ أن يقال: إن من تكلم به، لزمه طلاقُ امرأته نواه أو لم ينوه، ويدَّعى أنه ثبت له عُرف الشرع والاستعمال، فإن هذه دعوة باطلة شرعاً واستعمالاً، أما الاستعمال، فلا يكاد أحدٌ يطلق به البتة، وأما الشرعُ، فقد استعمله فى غير الطلاق، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُم المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَالَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَميلاً} [الأحزاب: 49]، فهذا السراح غير الطلاق قطعاً، وكذلكَ الفراق استعمله الشرعُ فى غير الطلاق، كقوله تعالى: {يَأَيُّهَا النُّبىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] إلى قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] فالإمساك هنا: الرجعة، والمفارقةُ: تركُ الرجعة لا إنشاء طلقة ثانية، هذا مما لا خلاف فيه البتة، فلاَ يجوز أن يُقال: إن من تكلم به طلقت زوجته، فهم معناه أو لم يفهم، وكلاهما فى البطلان سواء، وباللَّه التوفيق.
|