عرض مشاركة واحدة
قديم 12-19-2003, 01:28 PM   #9
مركز تحميل الصور


الصورة الرمزية الalwaafiـوافي
الalwaafiـوافي غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 481
 تاريخ التسجيل :  Sep 2003
 أخر زيارة : 05-14-2017 (06:24 PM)
 المشاركات : 1,039 [ + ]
 التقييم :  1
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



وفى ((الصحيحين)): عن ابن عُمَرَ رضى الله عنه، أنه كان إذا سئل عن الطلاق قال: أَمَّا أَنْتَ إن طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَين، فإِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى بهذا، وإنْ كُنْتَ طلَّقتها ثلاثاً، فقد حَرُمَتْ عَلَيْكَ حتى تَنْكِحَ زوجاً غيرَكَ، وعصيتَ الله فِيمَا أمَرَك مِنْ طَلاقِ امْرَأَتِكَ.
فتضمَّنَتْ هذه النصوصُ أن المطلَّقة نوعان: مدخولٌ بها، وغيرُ مدخول بها، وكلاهما لا يجوز تطليقها ثلاثاً مجموعة، ويجوزُ تطليقُ غيرِ المدخولِ بها طاهراً وحائضاً.
وأما المدخولُ بها، فإن كانت حائضاً أو نفساء، حرم طلاقُها، وإن كانت طاهراً فإن كانت مستبينَةَ الحمل، جاز طلاقُها بعد الوطءِ وقبله، وإن كانت حائلاً لم يَجُزْ طلاقها بعد الوطء فى طُهر الإصابة، ويجوز قبلَه هذا الذى شرعه اللَّهُ على لسان رسولهِ مِن الطلاق، وأجمعَ المسلمون على وقوعِ الطلاق الذى أذن الله فيه، وأباحه إذا كان مِن مكلَّفٍ مختارٍ، عالم بمدلول اللفظ، قاصدٍ له.
واختلفوا فى وقوع المحرَّم من ذلك، وفيه مسألتان.
المسألة الأولى: الطلاق فى الحيض، أو فى الطهر الذى واقعها فيه.
المسألة الثانية: فى جمع الثلاث، ونحن نذكر المسألتين تحريراً وتقريراً، كما ذكرناهما تصويراً، ونذكر حُجَجَ الفَريقينِ، ومنتهى أقدام الطائفتينِ، مع العلم بأن المقلِّد المتعصِّب لا يتركُ مَنْ قَلده ولو جاءته كُلُّ آية، وإن طالبَ الدليل لا يأتمُّ بسواه، ولا يُحَكِّمُ إلا إياه، ولِكل من الناس مَوْردُ لا يتعداه، وسبيل لا يتخطاه، ولقد عُذِرَ مَنْ حَمَلَ ما انتهت إليه قواه، وسعى إلى حيث انتهت إليه خُطاه.
فأما المسألةُ الأولى، فإن الخلافَ فى وقوع الطلاق المحرَّم لم يزل ثابتاً بين السلف والخلف، وقد وَهِمَ من ادعى الإجماعَ على وقوعه، وقال بمبلغ علمه، وخفى عليه مِن الخلاف ما اطلع عليه غيرُه، وقد قال الإمامُ أحمد: من ادعى الإجماع، فهو كاذب، وما يُدريه لعلَّ الناسَ اختلفوا.
كيف والخلافُ بين الناس فى هذه المسألة معلومُ الثبوت عن المتقدمين والمتأخرين؟ قال محمد بن عبد السلام الخُشنى: حدثنا محمد بن بشار ؛ حدثنا عبد الوهَّاب بنُ عبد المجيدِ الثقفى، حدثنا عُبيد الله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر رضى الله عنه أنه قال فى رجل طلق امرأته وهى حائض. قال ابن عمر: لا يعتد بذلك، ذكره أبو محمد ابن حزم فى ((المحلى)) بإسناده إليه.
وقال عبد الرزاق فى ((مصنفه)): عن ابن جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه أنه قال: كان لا يرى طلاقاً ما خالفَ وجهَ الطَّلاقِ، ووجُهَ العِدة، وكان يقول: وجهُ الطلاقِ: أن يُطَلِّقَها طاهِراً مِن غير جماع وإذا استبان حملُها.
وقال الخُشنى: حدثنا محمد بنُ المثَّنى، حدثنا عبدُ الرحمن بن مهدى، حدثنا همَّام بن يحيى، عن قتادة، عن خِلاس بن عمرو أنه قال فى الرجل يُطلِّق امرأته وهى حائض: قال: لا يُعْتَدُّ بها قال أبو محمد ابن حزم: والعجبُ من جُرأة منِ ادَّعى الإجماعَ على خلاف هذا، وهو لا يجد فيما يُوافق قوله فى إمضاء الطلاق فى الحيض أو فى طهر جامعها فيه كلمة عن أحدٍ من الصحابة رضى الله عنهم غيرَ رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسنُ منها عن ابن عمر، وروايتين عن عُثمان وزيدِ بن ثابت رضى الله عنهما. إحداهما: رويناها من طريق ابن وهب عن ابنِ سمعان، عن رجل أخبره أن عثمانَ بن عفان رضى الله عنه كان يقضى فى المرأة التى يُطلِّقُها زوجها وهى حائض أنها لا تعتدُّ بحيضتها تلك، وتعتدُّ بعدَها بثلاثة قروء. قلت: وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان الكذاب، وقد رواه عن مجهول لا يُعرف. قال أبو محمد: والأخرى من طريق عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن قيس بن سعد مولى أبى علقمة، عن رجل سماه، عن زيد بن ثابت أنه قال فيمن طلَّق امرأَته وهى حائض: يلزمه الطلاقُ، وتعتد بثلاثِ حيض سوى تلك الحيضة.
قال أبو محمد: بل نحنُ أسعدُ بدعوى الإجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزوُن ونعوذُ باللَّه من ذلك، وذلك أنه لا خلافَ بين أحدٍ من أهل العلم قاطبة، ومن جملتهم جميع المخالفين لنا فى ذلك أن الطلاق فى الحيض أو فى طهر جامعها فيه بدعة نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفة لأمره، فإذا كان لا شك فى هذا عندهم، فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة التى يقرون أنها بدعةٌ وضلالة، أليس بحكم المشاهدة مجيزُ البدعة مخالفاً لإجماع القائلين بأنها بدعة؟ قال أبو محمد: وحتي لو لم يبلغنا الخلافُ، لكان القاطعُ على جميع أهل الإسلام بما لا يقين عنده، ولا بلغه عن جميعهم كاذباً على جميعهم.
قال المانعون من وقوع الطلاق المحرم: لا يُزَالُ النكاحُ المتيقنُ إلا بيقين مثله من كتاب، أو سنة، أو إجماع متيقَّن. فإذا أوجدتمونا واحداً من هذه الثلاثة، رفعنا حُكْمَ النِّكاح به، ولا سَبيلَ إلى رفعه بغير ذلك. قالوا: وكيف والأدلةُ المتكاثِرةٌ تدل على عدم وقوعه، فإن هذا طلاق لم يشرعه الله تعالى ألبتة، ولا أذن فيه، فليس من شرعه، فكيف يُقال بنفوذه وصحته؟
قالوا: وإنما يقع من الطلاق المحرم ما ملَّكه الله تعالى للمطلّق، ولهذا لا يقع به الرابعةُ، لأنه لم يملِّكها إياه، ومن المعلوم أنه لم يملِّكه الطلاقَ المحرم، ولا أذن له فيه، فلا يصح، ولا يقع.
قالوا: ولو وكل وكيلاً أن يُطلِّق امرأتَه طلاقاً جائزاً، فطلّق طلاقاً محرماً، لم يقع، لأنه غيرُ مأذون له فيه، فكيف كان إذن المخلوف معتبراً فى صحة إيقاع الطلاق دون إذن الشارع، ومِن المعلوم أن المكلَّفَ إنما يتصرف بالإذن، فما لم يأذن به الله ورسولُه لا يكون محلاً للتصرف البتة.
قالوا: وأيضاً فالشارِعُ قد حجر على الزوج أن يُطَلَّق فى حال الحيض أو بعد الوطءِ فى الطهر، فلو صح طلاقُه لم يكن لحجر الشارع معنى، وكان حجرُ القاضى على من منعه التصرف أقوى من حجر الشارع حيث يُبطِلُ التصرفَ بحجره.
قالوا: وبهذا أبطلنا البيعَ وقتَ النداءِ يومَ الجمعة، لأنه بيعٌ حجر الشارعُ على بائعه هذا الوقتَ، فلا يجوز تنفيذُه وتصحيحه.
قالوا: ولأنه طلاقٌ محرم منهى عنه، فالنهىُ يقتضى فسادَ المنهى عنه، فلو صححناه، لكان لا فرق بين المنهى عنه والمأذونِ فيه من جهة الصحة والفساد.
قالوا: وأيضاً فالشارِعُ إنما نهى عنه وحرمه، لأنه يُبغِضُه، ولا يُحبُّ وقوعه، بل وقوعُه مكروه إليه، فحرَّمه لِئلا يقع ما يُبغضه ويكرهه، وفى تصحيحه وتنفيذه ضِد هذا المقصود.
قالوا: وإذا كان النكاحُ المنهى عنه لا يَصِحُّ لأجل النهى، فما الفرقُ بينه وبين الطلاق، وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح، وصححتم ما حرَّمه ونهى عنه من الطلاق، والنهى يقتضى البطلان فى الموضعين؟
قالوا: ويكفينا من هذا حُكمُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم العام الذى لا تخصيص فيه برد ما خالف أمره وإبطاله وإلغاءه، كما فى ((الصحيح)) عنه، من حديث عائشة رضى الله عنها: ((كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ)) وفى رواية: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْس عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ)). وهذا صريحُ أن هذا الطلاقَ المحرَّم الذى ليس عليه أمرُه صلى الله عليه وسلم مردود باطل، فكيف يُقال: إنه صحيح لازم نافذ؟ فأين هذا مِن الحكم برده؟
قالوا: وأيضاً فإنه طلاقٌ لم يشرعه الله أبداً، وكان مردوداً باطلاً كطلاق الأجنبية، ولا ينفعُكم الفرقُ بأن الأجنبية ليست محلاً للطلاق بخلاف الزوجة، فإن هذه الزوجة ليست محلاً لِلطلاق المحرَّم، ولا هو مما ملَّكه الشَّارِعُ إيَّاه.
قالوا: وأيضاً فإن الله سبحان إنما أمر بالتسريح بإحسان، ولا أشر مِن التسريح الذى حرَّمه اللَّهُ ورسُوله، وموجب عقدِ النكاح أحدُ أمرين: إما إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، والتسريح المحرَّم أمر ثالثُ غيرُهما، فلا عبرة به البتة.
قالوا: وقد قال اللَّهُ تعالى: {يأيَّها النَّبىُّ إذا طَلَّقُتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1] وصحَّ عن النبىَّ صلى الله عليه وسلم المبيِّنِ عن اللَّهِ مرادَه مِن كلامه، أن الطلاق المشروع المأذون فيه هو الطلاقُ فى زمن الطهر الذى لم يُجامع فيه، أو بعدَ استبانة الحمل، وما عداهُما فليس بطلاق للعدة فى حق المدخول بها، فلا يكون طلاقاً، فكيف تحرم المرأة به؟
قالوا: وقد قال تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة:229]، ومعلوم أنه إنما أرادَ الطلاق المأذونَ فيه، وهو الطلاقُ للعدة، فدل على أن ما عداه ليس من الطلاق، فإنه حصر الطلاقَ المشروع المأذونَ فيه الذى يملك به الرجعة فى مرتين، فلا يكون ما عداه طلاقاً. قالُوا: ولهذا كان الصحابةُ رضى الله عنهم يقولون: إنهم لا طاقة لهم بالفتوى فى الطلاق المحرَّم، كما روى ابنُ وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، أن ابن مسعود رضى الله عنه قال: من طلق كما أمره الله، فقد بيَّن الله له، ومن خالف، فإنا لا نُطِيقُ خِلافه، ولو وقع طلاقُ المخالف لم يكن الإفتاءُ به غير مطاق لهم، ولم يكن للتفريق معنى إذ كان النوعانِ واقعينَ نافذين.


 

رد مع اقتباس