عرض مشاركة واحدة
قديم 12-12-2003, 07:45 PM   #179
مركز تحميل الصور


الصورة الرمزية الalwaafiـوافي
الalwaafiـوافي غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 481
 تاريخ التسجيل :  Sep 2003
 أخر زيارة : 05-14-2017 (05:24 PM)
 المشاركات : 1,039 [ + ]
 التقييم :  1
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



فصل

فى جواز الاجتهاد فى الوقائع فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم

وفيها دليل على جواز الاجتهاد فى الوقائع فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم، وإقراره على ذلك، لكن هذا كان فى حال الحاجة إلى الاجتهاد، وعدمِ تمكنهم مِن مراجعة النص، وقد اجتهد أبو بكر، وعمر رضى الله عنهما بينَ يدى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فى عدةٍ من الوقائع، وأقرَّهُما على ذلك، لكن فى قضايا جزئية مُعيَّنة، لا فى أحكام عامة وشرائع كلية، فإن هذا لم يَقَعْ منْ أحدٍ من الصحابة فى حضوره صلى الله عليه وسلم البتة.


فصل

فى الفتح الأعظم

الذى أعزَّ اللهُ به دينَه، ورسولَه، وجنده، وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيتَه الذى جعله هُدىً للعالمين مِن أيدى الكفار والمشركين، وهو الفتحُ الذى استبشر به أهلُ السماءِ، وضربت أطنابُ عِزِّه على مَناكِبِ الجوزاء، ودخل الناسُ به فى دين الله أفواجاً، وأشرق به وجهُ الأرضِ ضِياءً وابتهاجاً، خرج له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بكتائِبِ الإسلام، وجُنود الرحمن سنةَ ثمانٍ لعشر مَضَيْنَ مِن رمضان، واستعمل على المدينة أبا رُهْمٍ كُلثوم بن حُصين الغِفارى. وقال ابن سعد: بل استعمل عبدَ الله بْنَ أُمِّ مكتوم.

وكان السبب الذى جرَّ إليه، وحدا إليه فيما ذكر إمامُ أهل السير والمغازى والأخبار محمد بن إسحاق بن يسار، أن بنى بَكر بن عبدِ مناة بن كِنانة عَدَتْ على خُزاعة، وهُمْ على ماءٍ يُقال له: الوتير، فبيَّتُوهم وقتلُوا منهم، وكان الذى هاج ذلك أن رجلاً من بنى الحضرمى يقال له: مالكُ بن عبَّاد خرج تاجراً، فلما توسَّط أرضَ خُزاعة، عَدَوْا عليه فقتلُوه، وأخذُوا مالَه، فعدت بنُو بكر على رجل من بنى خُزاعة فقتلُوه، فعدت خُزاعة على بنى الأسود، وهم سَلْمَى وكُلثوم وذُؤَيْب، فقتلوهُم بِعَرَفة عند أنصاب الحَرَمِ، هذا كُلُّهُ قَبْلَ المبعث، فلما بُعِثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وجاء الإسلام، حجز بينهم، وتشاغلَ الناسُ بشأنه، فلما كان صُلْحُ الحُديبية بينَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينَ قريش، وقع الشرطُ: أنه مَن أحبَّ أن يدخل فى عَقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهدِهِ، فَعَلَ، ومَن أحبَّ أن يدخلُ فى عَقد قريش وعَهدهم، فعل، فدخلت بنو بكر فى عَقد قُريش وعهدهم، ودخلت خُزاعة فى عَقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، فلما استمرَّت الهُدنة، اغتنمها بنو بكر من خُزاعة، وأرادوا أن يُصيبُوا منهم الثأرَ القديم، فخرج نوفلُ بنُ معاوية الدِّيلى فى جماعة مِن بنى بكر، فبيَّت خُزاعة وهم على الوَتير، فأصابُوا منهم رجالاً، وتناوشُوا واقتتلوا، وأعانت قُريش بنى بكر بالسِّلاح، وقاتلَ معهم مِن قريش مَن قاتل مستخفياً ليلاً، ذكر ابن سعد منهم: صفوان بن أُمية، وحُويطب بن عبد العُزَّى، ومِكْرز بن حفص، حتى حازوا خُزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه، قالت بنو بكر: يا نوفل؛ إنَّا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك. فقال كلمة عظيمة: لا إله لَهُ اليوم، يا بنى بكر أصيبُوا ثأركم، فلعمرى إنكم لتسرِقُون فى الحرم أفلا تُصيبُونَ ثأركُم فيه؟ فلما دَخَلَتْ خُزاعة مكة، لجؤوا إلى دار بُديل بن ورقاء الخُزاعى ودار مولى لهم يقال له: رافع، ويخرج عمرو بن سالم الخُزاعى حتى قَدِمَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فوقف عليه، وهو جالس فى المسجد بين ظهرانى أصحابه فقال:

ياربِّ إنِّى نَاشِــدٌ مُحَمَّدا *** حِـلْفَ أَبينَا وَأبيهِ الأتْلَــــدا
قَدْ كُنْتُمُ وُلْدَاً وكُنـَّا وَالِدا *** ثُمَّتَ أَسْــلَمْنَا وَلَمْ نَنْزِعْ يَـدا
فَانْصُرْ هَداَكَ اللهُ نَصـْراً أَبَدا *** وادْعُ عِبَــادَ اللهِ يَأْتُوا مَــدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَـرَّدا *** أَبْيَضَ مِثْلَ البـَدْرِ يَسْمـُو صُعُدَا
إنْ سِيمَ خَسْفاً وَجْهُهُ تَرَبَّدَا *** فى فَيـْلَقٍ كالبَحْرِ يَجْـرِى مُزْبِدا
إنَّ قُرَيْـشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدا *** ونَقَـضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّــــدَا
وَجَـعَلُوا لى فى كَدَاءٍ رَصَدَا *** وَزَعَمُوا أَنْ لَسْـتَ تَدْعـُو أَحـَدَا
وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَـــدَدَا *** هُمْ بَيَّتُونَا بِالـــوَتِيرِ هُــجَّدَا

وَقَتَلُونَا رُكَّعَاً وَسُجَّدَا

يقول: قُتِلْنَا وقَدْ أَسْلَمْنَا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((نُصِرْتَ يَا عَمْرو بنَ سالم))، ثم عرضَتْ سحابةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إنَّ هذه السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بنى كَعْبٍ))، ثم خرج بُديل بنُ ورقاء فى نَفَرٍ من خُزاعة، حتى قَدِمُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبروه بما أُصيب منهم، وبمُظَاهَرَةِ قريش بنى بكر عليهم، ثم رجعُوا إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: ((كَأَنَّكُم بأَبِى سُفْيانَ، وَقَدْ جَاءَ لِيَشُدَّ العَقْدَ وَيَزِيدَ فى المُدَّة)).

ومضى بُديل بنُ ورقاء فى أصحابه حتى لَقُوا أبا سفيان بنَ حرب بعُسفان وقد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لِيَشُدَّ العقدَ، ويزيدَ فى المدة، وقد رَهِبُوا الذى صنعوا، فلما لقى أبو سفيان بُديلَ بن ورقاء، قال: من أين أقبلتَ يا بُديل؟ فظنَّ أنه أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: سِرتُ فى خُزاعة فى هذا الساحل، وفى بطن هذا الوادى، قال: أَوَ ما جئتَ محمداً؟ قال: لا، فلما راح بُديل إلى مكة، قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة، لقد علفَ بها النوى، فأتى مَبْرَكَ راحِلته، فأخذ من بعرها، ففتَّه، فرأى فيها النوى، فقال: أحِلفُ باللهِ لقد جاء بُديل محمداً.

ثم خرج أبو سفيان حتى قَدِمَ المدينة، فدخل على ابنتِه أُمِّ حبيبة، فلما ذهب لِيجلس على فِراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، طَوَتْهُ عنه، فقال: يا بُنية؛ ما أدرى أَرغبتِ بى عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عنى؟ قالت: بل هو فِراشُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مُشرك نَجَسٌ، فقال: واللهِ لقد أصابك بعدى شر.

ثم خرج حتى أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فكلَّمه، فلم يَرُدَّ عليه شيئاً، ثم ذهبَ إلى أبى بكر، فكلَّمه أن يُكَلَّمَ لَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عُمَرَ بنَ الخطاب فكلَّمه، فقال: أنا أشفعُ لكم إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ فواللهِ لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتُكم به، ثم جاء فدخل على علىٍّ بن أبى طالب، وعنده فاطمَةُ، وحسنٌ غلامٌ يَدِبُّ بين يديهما، فقال: يا علىُّ؛ إنك أمسُّ القومِ بى رحماً، وإنى قد جئتُ فى حاجة، فلا أرْجِعَنَّ كما جئتُ خائباً، اشفع لى إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سُفيان، واللهِ لقد عزم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيعُ أن نُكَلِّمَه فيه، فالتفتَ إلى فاطمة فقال: هَلْ لَكِ أَنْ تأمُرى ابْنَك هذا، فيجير بينَ الناس،فيكون سيدَ العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: واللهِ ما يبلغُ ابنى ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحدٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا أبا الحسن؛ إنى أرى الأُمورَ قد اشتدت علىَّ، فانصحنى، قال: واللهِ ما أعلم لك شيئاً يُغنى عنك، ولكنك سَيدُ بنى كِنانة، فقم فأجِرْ بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أَوَ ترى ذلك مغنيا عنى شيئاً، قال: لا واللهِ ما أظنه، ولكنِّى ما أجد لك غيرَ ذلك، فقام أبو سفيان فى المسجد فقال: أيها الناس؛ إنى قد أجرتُ بين الناس، ثم ركب بعيره، فانطلق فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئتُ محمداً فكلَّمتُه، فواللهِ ما ردَّ علىَّ شيئاً، ثم جئتُ ابن أبى قُحافة، فلم أجد فيه خيراً، ثم جئتُ عمر بن الخطاب، فوجدته أعدى العدُو، ثم جئتُ علياً فوجدته ألين القوم، قد أشار علىَّ بشئ صنعته، فواللهِ ما أدرى، هل يُغنى عنى شيئاً، أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرنى أن أجير بين الناس، ففعلتُ، فقالُوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلَك، واللهِ إن زاد الرجلُ على أن لعب بك، قال: لا واللهِ ما وجدتُ غير ذلك.

وأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الناسَ بالجَهَازِ، وأمر أهله أن يُجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضى الله عنها، وهى تُحَرِّكُ بعضَ جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أى بُنيَّة؛ أمركنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجهيزه؟ قالت: نعم، فتجهز. قال: فأين تَرَيْنَهُ يُريد، قالت: لا والله ما أدرى.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، فأمرهم بالجد والتجهيز، وقال: ((اللَّهُمَّ خُذِ العُيُونَ والأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَها فى بِلاَدِهَا))، فتجهز الناسُ.

فكتب حاطِبُ بن أبى بَلْتَعَةَ إلى قُريش كتاباً يُخبرهم بمسيرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جعلاً على أن تُبلغه قريشاً، فجعلته فى قُرون فى رأسها، ثم خرجَتْ به، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبرُ مِن السماء بما صنع حاطب، فبعث علياً والزُبير، وغير ابن إسحاق يقول: بعث علياً والمقداد والزبير، فقال: انطلقا حتَّى تأتيا رَوْضَةَ خاخ، فإنَّ بها ظعينة معها كِتاب إلى قُريش، فانطلقا تَعَادى بهما خَيْلُهما، حتى وجدا المرأةَ بذلك المكانِ، فاستنزلاها، وقالا: معكِ كتابٌ؟ فقالت: ما معى كتاب، ففتشا رَحْلها، فلم يجدا شيئاً، فقال لها على رضى الله عنه : أحِلفُ باللهِ ما كذبَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، واللهِ لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أو لنُجَرِّدَنَّكِ، فلما رأت الجدَّ منه، قالت: أَعْرِضْ، فأعرض، فحلَّت قُرون رأسها، فاستخرجت الكِتاب منها، فدفعته إليهما، فأتيا به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: مِن حاطب ابن أبى بَلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً، فقال: ما هذا يا حَاطِبُ؟ فقال: لا تَعْجَل علىَّ يا رسولَ الله، واللهِ إنى لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددتُ، ولا بدَّلْتُ، ولكنى كُنْتُ امرءاً مُلْصَقاً فى قريش لستُ من أنفسهم، ولى فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لى فيهم قرابة، يحمونهم، وكان مَنْ معكَ لهم قراباتٌ يحمونهم، فأحببتُ إذ فاتنى ذلك أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتى، فقال عُمَرُ بنُ الخطاب: دعنى يا رسول الله أضرب عُنُقَهُ، فإنه قد خان اللهَ ورسوله، وقد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّهُ قَدْ شَهدَ بَدْراً، وما يُدْريكَ يَا عُمَرُ، لَعَلَّ الله قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْملُوا مَا شِئْتُم، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم)) فَذَرَفَتْ عَيْنَا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. ثم مضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهُوَ صائم، والناسُ صِيامٌ، حتى إذا كانوا بالكُدَيد وهو الذى تسميه النَّاسُ اليومَ قُدَيْداً أفطرَ وأفطرَ الناسُ معه.


 
 توقيع : الalwaafiـوافي

الــــــــalwaafiــــــــوافي


رد مع اقتباس