عرض مشاركة واحدة
قديم 12-12-2003, 07:26 PM   #172
مركز تحميل الصور


الصورة الرمزية الalwaafiـوافي
الalwaafiـوافي غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 481
 تاريخ التسجيل :  Sep 2003
 أخر زيارة : 05-14-2017 (05:24 PM)
 المشاركات : 1,039 [ + ]
 التقييم :  1
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



فصل

ولم تُحرم المتعةُ يومَ خيبر، وإنما كان تحريمُها عامَ الفتحِ هذا هو الصوابُ، وقد ظنَّ طائفة مِن أهل العلم أنه حرمها يومَ خيبر، واحتجوا بما في ((الصحيحين)) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((أن رسولَ الله نَهى عن مُتعة النساء يومَ خيبر، وعَن أكل لحوم الحمر الإِنسية)).

وفي ((الصحيحين)) أيضاً: أن علياً رضي الله عنه، سمع ابن عباس يُلينُ في مُتعة النساء، فقال: مهلاً يا ابنَ عباس، فإن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم ((نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية))، وفي لفظ للبخاري عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مُتعة النساء يومَ خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإِنسية.

ولما رأى هؤلاء أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أباحها عامَ الفتح، ثم حرَمها، قالوا: حُرمَت، ثُم أبيحت، ثم حُرِّمَت.

قال الشافعي: لا أعلمُ شيئاَ حُرم، ثم أبيح، ثم حُرمَ إلا المتعة، قالُوا: نُسِخَتْ مرتين، وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لم تُحرم إلا عامَ الفتح، وقبل ذلك كانت مباحة. قالوا: وإنما جمع علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه بين الإخبار بتحريمها، وتحريمِ الحُمُر الأهلية، لأن ابن عباس كان يُبيحهما، فروى له علي تحرِيمَهما عن النبي صلى الله عليه وسلم رداً عليه، وكان تحريمُ الحُمُرِ يومَ خيبر بلا شك، وقد ذكر يومَ خيبر ظرفاً لتحريم الحُمُرِ، وأطلَقَ تحريمَ المتعة، ولمٌ يقيده بزمن، كما جاء ذلك في ((مسند)) الإمام أحمد بإسناد صحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((حرَّم لحومَ الحُمُرِ الأهلية يومَ خَيْبَر، وحرَّم مُتعة النساء)) وفى لفظ: ((حرَّم مُتعة النساء، وحرَّم لحومَ الحُمُر الأهلية يومَ خَيْبَر))، هكذا رواه سفيان بن عيينة مفصلاً مميزاً، فظن بعضُ الرواة أن يومَ خَيْبَر زمنٌ للتحريمين، فقيَّدهما به، ثم جاء بعضُهم، فاقتصر على أحد المحرَّمين وهو تحريمُ الحُمُر، وقيَّده بالظرف، فمن هاهنا نشأ الوهم.

وقصة خَيْبَر لم يكن فيها الصحابةُ يتمتعون باليهوديات، ولا استأذنوا فى ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ولا نقلَه أحدٌ قطُّ فى هذه الغزوة، ولا كان للمُتعة فيها ذِكرٌ البتة، لا فِعلاً ولا تحريماً، بخِلاف غزاة الفتح، فإن قصةَ المتعة كانت فيها فِعلاً وتحريماً مشهورة، وهذه الطريقة أصحُّ الطريقتين.

وفيها طريقة ثالثة: وهى أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لم يُحرِّمها تحريماً عاماً البتة، بل حرَّمها عند الاستغناء عنها، وأباحها عند الحاجة إليها، وهذه كانت طريقةَ ابن عباس حتى كان يُفتى بها ويقولُ: هى كالميتةِ والدمّ ولحمِ الخنزير، تُباح عند الضرورة وخشيةِ العنت، فلم يفهم عنه أكثرُ الناسِ ذلك، وظنوا أنه أباحها إباحةً مطلقةً، وشبَّبوا فى ذلك بالأشعار، فلما رأى ابنُ عباس ذلك، رجع إلى القول بالتحريم.


فصل

فى جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض،وكيف عامَلَ الرسول صلى الله عليه وسلم أهل خَيْبَر

ومنها: جوازُ المساقاة والمزارعة بجُزء مما يخرُج مِن الأرض مِن ثمر أو زرع، كما عامل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أهلَ خَيْبَر على ذلك، واستمر ذلك إلى حين وفاته لم يُنسخ البتة، واستمر عملُ خلفائه الراشدين عليه، وليس هذا من باب المؤاجرة فى شىء، بل مِن باب المشاركة، وهو نظيرُ المضاربة سواء، فمَن أباح المضاربةَ، وحرَّم ذلك، فقد فرَّق بين متماثلين.


فصل

فى أن من هَدْيه صلى الله عليه وسلم عدم اشتراط كون البِذر من رب الأرض

ومنها: أنه دفع إليهم الأرضَ على أن يعملُوها مِن أموالهم، ولم يدفع إليهم البِذْرَ، ولا كان يَحمِلُ إليهم البِذرَ من المدينة قطعاً، فدل على أن هَدْيَه عدمُ اشتراط كونِ البِذر مِن ربِّ الأرض، وأنه يجوز أن يكون من العامل، وهذا كان هَدْىَ خلفائه الراشدينَ مِن بعده، وكما أنه هو المنقولُ، فهو الموافقُ للقياس، فإن الأرضَ بمنزلة رأس المال فى القِراض، والبِذر يجرى مجرى سقى الماء، ولهذا يموتُ فى الأرض، ولا يرجعُ إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس مال المضاربة لاشْتُرِطَ عودُه إلى صاحبه، وهذا يُفسِدُ المزارعة، فعُلِمَ أن القياسَ الصحيح هو الموافق لهَدْى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين فى ذلك.. والله أعلم.


فصل

فى خَرْص الثمار، وأحكام أُخرى

ومنها: خَرْصُ الثمار على رؤوس النخل وقِسمتها كذلك، وأن القسمة ليست بيعاً.

ومنها: الاكتفاءُ بخارِصٍ واحد، وقاسِمٍ واحد.

ومنها: جواز عقدِ المُهادنة عقداً جائزاً للإمام فسخُه متى شاء.

ومنها: جوازُ تعليق عقد الصلح والأمان بالشرط، كما عَقَدَ لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بشرط أن لا يُغيِّبوا ولا يَكْتُموا.

ومنها: جوازُ تقريرِ أربابِ التُّهم بالعُقوبة، وأن ذلك من الشريعة العادلة لا مِن السياسة الظالمة.

ومنها: الأخذُ فى الأحكام بالقرائن والأمارات، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لِكنانة: (( المَالُ كَثيرٌ، والعَهْدُ قَرِيبٌ ))، فاستدل بهذا على كذبه فى قوله: أذهبته الحروبُ والنفقة.

ومنها: أن مَن كان القولُ قولَه إذا قامت قرينةٌ على كذبه، لم يُلتفت إلى قوله، ونُزِّلَ منزلة الخائن.

ومنها: أن أهلَ الذِّمة إذا خالفوا شيئاً مما شُرِطَ عليهم، لم يبق لهم ذِمة، وحلَّت دِماؤهم وأموالهم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهؤلاء الهُدنة، وشرط عليهم أن لا يُغيِّبوا ولا يَكتُموا، فإن فعلوا حلَّت دِماؤهم وأموالُهم، فلما لم يفُوا بالشرط، استباحَ دماءَهم وأموالَهم، وبهذا اقتدى أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطاب فى الشروط التى اشترطها على أهل الذِّمة، فشرط عليهم أنهم متى خالفُوا شيئاً منها، فقد حلَّ له منهم ما يَحِلُّ مِن أهل الشِّقاق والعَداوة.

ومنها: جوازُ نسخ الأمر قبل فِعله، فإن النبىَّ صلى الله عليه وسلم أمرهم بكسرِ القُدور، ثم نسخه عنهم بالأمر بِغَسْلِهَا.

ومنها: أن ما لا يُؤكل لحمُه لا يَطْهُر بالذَّكاة لا جِلدهُ ولا لحمه، وأن ذبيحته بمنزلة موته، وأن الذكاة إنما تعمل فى مأكول اللَّحم.

ومنها: أن مَن أخذ مِن الغنيمة شيئاً قبل قسمتها لم يملكْه، وإن كان دونَ حقه، وأنه إنما يملِكُه بالقسمة، ولهذا قال فى صاحب الشَّملة التى غلَّها: (( إنَّها تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَاراً )). وقال لصاحب الشِّراك الذى غلَّه: (( شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ )).

ومنها: أن الإمام مخيَّر فى أرض العَنوة بين قِسمتها وتركها، وقَسْم بعضها، وتَرْكِ بعضها.

ومنها: جواز التفاؤُل بل استحبابُه بما يراه أو يسمعه مما هو من أسباب ظهورِ الإسلام وإعلامه، كما تفاءل النبىُّ صلى الله عليه وسلم برؤية المَساحى والفؤوس والمكاتِل مع أهل خَيْبَر، فإن ذلك فألٌ فى خرابها.

ومنها: جواز إجلاء أهل الذِّمةِ من دار الإسلام إذا اسْتُغنِىَ عنهم، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( نُقِرُّكُم مَا أَقَرَّكمُ اللهُ ))، وقال لكبيرهم: (( كَيْفَ بكَ إذا رَقَصَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ نَحْوَ الشَّام يَوْماً ثُمَّ يَوْماً ))، وأجلاهم عمرُ بعد موته صلى الله عليه وسلم، وهذا مذهبُ محمد بن جرير الطبرى، وهو قولٌ قوى يسوغُ العملُ به إذا رأى الإمامُ فيه المصلحةَ.

ولا يُقال: أهل خَيْبَر لم تكن لهم ذِمة، بل كانُوا أهلَ هُدنة، فهذا كلام لا حاصِل تحته، فإنهم كانوا أهلَ ذِمة، قد أمِنوا بها على دمائهم وأموالهم أماناً مستمراً، نعم لم تكن الجزيةُ قد شُرِعَت، ونزل فرضُها، وكانوا أهلَ ذِمة بغير جزية، فلما نزل فرضُ الجزية، استُؤنِفَ ضربُها على مَن يُعقد له الذِّمة مِن أهل الكِتاب والمجوس، فلم يكن عدمُ أخذ الجزية منهم، لكونهم ليسوا أهلَ ذِمة، بل لأنها لم تكن نزل فرضُها بعد.

وأما كونُ العقد غيرَ مؤبَّد، فذاك لمدة إقرارهم فى أرض خَيْبَر، لا لمدة حقنِ دمائهم، ثم يستبيحها الإمامُ متى شاء، فلهذا قال: (( نُقِرُّكُمْ ما أقرَّكمُ اللهُ أَوْ مَا شَئْنَا))، ولم يقل: نحقِنُ دماءكم ما شئنا، وهكذا كان عقدُ الذمة لقُريظة والنَّضير عقداً مشروطاً، بأن لا يُحاربوه، ولا يُظاهِرُوا عليه، ومتى فعلوا، فلا ذِمة لهم، وكانوا أهلَ ذِمة بلا جزية، إذ لم يكن نزلَ فرضُها إذ ذاك، واستباحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَبْىَ نسائهم وذرارِيهم، وجعل نقضَ العهد سارياً فى حق النِّساء والذُرِّية، وجعل حُكم الساكت والمقر حُكمَ الناقِضِ والمحارب، وهذا موجبُ هَدْيه صلى الله عليه وسلم فى أهل الذِّمة بعد الجزية أيضاً، أن يسرىَ نقضُ العهد فى ذُرِّيتهم ونسائهم، ولكن هذا إذا كان الناقِضُون طائفةً لهم شَوْكة ومَنَعة، أما إذا كان الناقض واحداً مِن طائفة لم يُوافقه بقيتهم، فهذا لا يسرى النقضُ إلى زوجته وأولاده، كما أن مَن أهدر النبىُّ صلى الله عليه وسلم دماءهم ممن كان يسبُّه، لَمْ يَسْبِ نساءَهم وذُرِّيتهم، فهذا هَدْيُه فى هذا، وهو الذى لا محيدَ عنه.. وبالله التوفيق.

ومنها: جوازُ عِتق الرجل أَمَتَه، وجعل عِتقها صَداقاً لها، ويجعلها زوجتَه بغير إذنها، ولا شهودٍ، ولا ولى غيره، ولا لفظِ إنكاح ولا تزويجٍ، كما فعل صلى الله عليه وسلم بصفيَّة، ولم يقل قطّ: هذا خاصٌ بى، ولا أشار إلى ذلك، مع علمه باقتداء أُمَّته به، ولم يقُلْ أحد من الصحابه: إن هذا لا يصْلُح لغيره، بل رَوَوُا القِصة ونقلُوها إلى الأُمَّة، ولم يمنعوهم، ولا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من الاقتداء به فى ذلك، والله سبحانه لـمَّا خصَّه فى النكاح بالموهوبة قال: { خَالِصةً لَّكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}[الأحزاب : 50] ، فلو كانت هذه خالِصة له من دون أُمَّته، لكان هذا التخصيصُ أولى بالذِكر لكثرة ذلك من السادات مع إمائهم، بخلاف المرأة التى تَهَبُ نفسَها للرجل لنُدرته، وقِلَّته، أو مثله فى الحاجة إلى البيان، ولا سيما والأصل مشاركة الأُمَّة له، واقتداؤها به، فكيف يسكت عن منع الاقتداء به فى ذلك الموضع الذى لا يجوز مع قيام مقتضى الجواز، هذا شبهُ المحال، ولم تجتمع الأُمَّة على عدم الاقتداء به فى ذلك، فيجب المصيرُ إلى إجماعهم.. وبالله التوفيق.


 
 توقيع : الalwaafiـوافي

الــــــــalwaafiــــــــوافي


رد مع اقتباس