عرض مشاركة واحدة
قديم 12-12-2003, 01:23 PM   #146
مركز تحميل الصور


الصورة الرمزية الalwaafiـوافي
الalwaafiـوافي غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 481
 تاريخ التسجيل :  Sep 2003
 أخر زيارة : 05-14-2017 (06:24 PM)
 المشاركات : 1,039 [ + ]
 التقييم :  1
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



فصل

ثمَّ بعثَ عبدَ الله بن جَحْشٍ الأسَدِىَّ إلى نَخْلَةَ فى رجب، على رأْسِ سبعةَ عشرَ شهراً مِن الهِجْرة، فى اثنى عشر رجلاً مِن المهاجرين، كُلُّ اثنين يعتقبان علَى بعير، فوصلُوا إلى بطن نخلة يرصُدُون عِيراً لقريش، وفى هذِهِ السَّرِيَّة سمَّى عبدَ الله بن جحش أميرَ المؤمنين، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كتب له كِتاباً، وأمره أن لا ينظُرَ فيه حتى يسيرَ يومين، ثم ينظُرَ فيه، ولما فَتحَ الكِتاب، وجد فيه: ((إذَا نَظَرْتَ فى كِتَابى هذا، فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ والطَّائِفِ، فَتَرْصُدَ بِهَا قُرَيْشَاً، وتَعْلَمَ لنا مِنْ أَخْبَارِهم)) فقال: سمعاً وطاعةً، وأخبر أصحابَه بذلكَ، وبأنه لا يستكرِهُهم، فمن أحبَّ الشهادةَ، فلينهض، ومن كرِهَ الموت، فليرجِعْ، وأما أنا فناهض، فَمَضَوْا كُلُّهم، فلما كان فى أثناء الطريق، أضلَّ سعدُ بن أبى وقاص، وعتبةُ بنُ غزوان بعيراً لهما كانَا يَعْتَقِبَانِهِ، فتخلفا فى طلبه، وبَعُدَ عبدُ الله بنُ جحش حتى نزل بِنخلة، فمرَّت به عِيرٌ لقريش تَحْمِلُ زبيباً وأَدَماً وتِجارةً فيها عَمْرو بن الحَضْرَمى، وعثمان، ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة والحكمُ بنُ كيسان مولى بنى المغيرة.

فتشاور المسلمُون وقالوا: نحن فى آخر يومٍ من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم، انتهكنا الشهرَ الحرام، وإن تركناهم الليلةَ، دخلوا الحَرَم، ثم أجمعوا على مُلاقاتهم، فرمى أحدُهم عَمْرو بن الحضرمى فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفْلَتَ نوفل، ثم قَدِمُوا بالعِير والأسيرين، وقد عزلوا مِن ذلك الخُمس، وهو أول خُمس كان فى الإسـلام، وأول قتيل فى الإسلام، وأول أسيرين فى الإسلام، وأنكر رسُول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ما فعلوه، واشتدَّ تعنُّتُ قريش وإنكارُهم ذلك، وزعموا أنهم قد وجدوا مقالاً، فقالوا: قد أحلَّ محمد الشهرَ الحرَامَ، واشتد على المسلمين ذلك، حتى أنزل الله تعالى: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ، قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِـيرٌ، وَصَدٌ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإخْرَاجُ أهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ، والفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217].

يقول سبحانه: هذا الذى أنكرتموه عليهم، وإن كان كبيراً، فما ارتكبتموه أنتم مِن الكفر بالله، والصدِّ عن سبيله، وعن بيتهِ، وإخراجِ المسلمين الذين هم أهلُه منه، والشِرك الذى أنتم عليه، والفتنة التى حصلت منكم به أكبرُ عند اللهِ مِن قِتالهم فى الشهر الحرام، وأكثرُ السَلَف فسَّروا الفتنة ههنا بالشرك، كقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] ويدل عليه قوله: {ثُمَّ لَمْ تَـكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أنْ قَالُواْ وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] أى: لم يكن مآلُ شركهم، وعاقبته وآخرُ أمرهم، إلا أن تبرّؤوا منه وأنكروه.

وحقيقتها: أنها الشرك الذى يدعو صاحبُه إليه، ويُقاتِل عليه، ويُعاقب مَن لم يَفَتِتنْ به، ولهذا يُقال لهم وقتَ عذابهم بالنار وفتنتهم بها: {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ} [الذاريات: 14] قال ابن عباس: ((تكذيبَكم))، وحقيقته: ذوقوا نهاية فتنتكم، وغايَتَها، ومصيرَ أمرها، كقولهِ: {ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الزمر: 24]، وكما فتنوا عباده على الشرك، فُتِنُوا على النار، وقيل لهم: ذوقوا فتنتكم، ومنه قوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} [البروج: 10] فُسِّرت الفتنةُ ههنا بتعذيبهم المؤمنين، وإحراقهم إياهم بالنار، واللَّفظُ أعمُّ من ذلك، وحقيقته: عذَّبُوا المؤمنين ليفتَـتِنُوا عن دينهم، فهذه الفتنةُ المضافةُ إلى المشركين.

وأما الفتنة التى يُضيفها اللهُ سبحانه إلى نفسه أو يُضيفها رسولُه إليه، كقوله: {وَكَذَلِكَ فَـتَـنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} [الأنعام: 53] وقول موسى: {إنْ هِىَ إلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ} [الأعراف: 155]، فتلك بمعنى آخر، وهى بمعنى الامتحان، والاختبار، والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر، بالنعم والمصائب، فهذه لون، وفتنةُ المشركين لون، وفتنة المؤمن فى ماله وولده وجاره لون آخر، والفتنة التى يوقعها بين أهل الإسلام، كالفتنة التى أوقعها بين أصحاب علىّ ومعاوية، وبين أهل الجمل وصفين، وبين المسلمين، حتى يتقاتلوا ويتهاجروا لون آخر، وهى الفتنة التى قال فيها النبى صلى الله عليه وسلم: ((سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، القَاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، والقائِمُ فِيهَا خَيْرٌ منَ المَاشى، والماشى فيها خَيْرٌ من السَّاعِى)) وأحاديثُ الفتنة التى أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيها باعتزال الطائفتين، هى هذه الفتنة.

وقد تأتى الفتنة مراداً بها المعصية كقوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِّى وَلا تَفْتِنِّى} [التوبة: 49] يقوله الجدُّ بنُ قيس، لما ندبه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوكَ، يقول: ائذن لى فى القُعود، ولا تفتنى بتعرضى لبنات بنى الأصفر، فإنى لا أَصْبِرُ عنهن، قال تعالى: {أَلا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} [التوبة: 49]، أى: وقعوا فى فتنة النفاق، وفروا إليها مِن فتنة بناتِ الأصفر.

والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبرئ أولياءَه من ارتكاب الإثم بالقتالِ فى الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظمُ مِن مجردِ القتالِ فى الشهر الحرام، فهم أحقُّ بالذمِّ والعيبِ والعُقوبَةِ، لا سيما وأولياؤه كانوا متأوِّلين فى قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفِره الله لهم فى جنب ما فعلوه مِن التوحيد والطاعات، والهِجرة مع رسوله، وإيثارِ ما عند الله، فهم كما قيل:

وإذَا الحَبِيبُ أَتى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ *** جَاءَتْ مَحَاسِنُه بِأَلْفِ شَفِيع

فكيف يُقاس ببغيضٍ عدوٍ جاء بكُلِّ قبيح، ولم يأت بشفيع واحد مِن المحاسن.


فصـل

ولما كان فى شعبان من هذه السنة، حُوِّلت القِبْلة، وقد تقدم ذكرُ ذلك.


فصل

فى غزوة بدر الكبرى

فلما كان فى رمضانَ مِن هذه السنة، بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خبرُ العِير المقبلة من الشام لقريش صُحبةَ أبى سفيان، وهى العِير التى خرجوا فى طلبها لما خرجت مِن مكة، وكانوا نحو أربعين رجلاً، وفيها أموالٌ عظيمة لٍقريش، فندب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الناسَ للخروج إليها، وأمر مَن كان ظهرُه حاضراً بالنهوض، ولم يحْتَفِلْ لها احتفالاً بليغاً، لأنه خرج مُسْرِعاً فى ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسانِ: فرس للزبير بن العوام، وفرسٌ للمِقداد بن الأسود الكِندى، وكان معهم سبعون بعيراً يَعْتَقِبُ الرجلان والثلاثةُ على البعير الواحد، فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وعلىّ، ومَرْثَدُ ابنُ أبى مَرْثَدٍ الغَنوى، يعتقِبُون بعيراً، وزيدُ بن حارثة، وابنُه، وكبشةُ موالى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعتَقِبُونَ بعيراً، وأبو بكر، وعمر، وعبدُ الرحمن ابن عوف، يعتقِبُونَ بعيراً، واستخلف على المدينةِ وعلى الصلاة ابنَ أمِّ مكتوم، فلما كان بالرَّوحاءِ رد أبا لُبابة بنَ عبد المنذر، واستعمله على المدينة، ودفع اللِّواء إلى مُصعبِ بنِ عُمَير، والراية الواحدة إلى علىِّ بن أبى طالب، والأخرى التى للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيسَ بنَ أبى صَعْصَعَةَ، وسار، فلما قَرُبَ مِن الصَّفْرَاء، بعث بَسْبَسَ بنَ عمرو الجهنى، وعدى ابن أبى الزغباء إلى بدر يتجسَّسان أخبارَ العِير، وأما أبو سفيان، فإنه بلغه مخرجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده إياه، فاستأجر ضَمْضَمَ بنَ عَمْرو الغِفارى إلى مكة، مُستصْرخاً لقريش بالنَّفير إلى عِيرهم، ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخُ أهلَ مكة، فنهضوا مُسرِعين، وأوعبوا فى الخروج، فلم يتخلَّفْ من أشرافهم أحدٌ سوى أبى لهب، فإنَّه عوَّض عنه رجلاً كان له عليه دَيْن، وحشدُوا فيمن حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بنى عدى، فلم يخرُجْ معهم منهم أحد، وخرجوا مِن ديارهم كما قال تعالى: {بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} [الأنفال: 47]، وأقبلوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِم، تُحَادُّهُ وَتُحَادُّ رَسُولَه))، وجاؤوا على حَرْدٍ قادرين، وعلى حميَّةٍ، وغضبٍ، وحَنَقٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، لما يُريدون مِن أخذ عيرهم، وقتل مَن فيها، وقد أصابُوا بالأمسِ عَمْرو بن الحضرمى، والعِير التى كانت معه، فجمعهم اللهُ على غير ميعاد كما قال الله تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِى الْمِيعَادِ، وَلَـكِنْ لِّـيَقْضِىَ الله أمْرَاً كَانَ مَفْعُولاً} [الأنفال: 42].
ولما بلغَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خروجُ قريش، استشار أصحابه، فتكلَّم المهاجِرون فأحسَنُوا، ثم استشارهم ثانياً، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثاً، ففهمت الأنصارُ أنه يَعنيهم، فبادر سعدُ بنُ معاذ، فقال: ((يا رسول الله، كَأَنَّكَ تُعَرِّضُ بنا ؟)) وكان إنما يَعنيهم، لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود فى ديارهم، فلما عزم على الخُروج، استشارهم لِيعلم ما عندهم، فقال له سعد: ((لَعَلَّكَ تَخْشَى أَنْ تَكُون الأَنصارُ تَرَى حقاً عليها أن لا ينصروك إلا فى ديارها، وإنى أقول عن الأنصار، وأُجِيب عنهم: فاظْعَنْ حَيْثُ شِئْت، وَصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، واقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، وخُذْ مِنْ أمْوَالِنَا مَا شِئْتَ، وَأَعطِنَا مَا شِئْتَ، وَمَا أَخَذْتَ مِنَّا كَانَ أَحَبَّ إلَيْنَا مِمَّا تَرَكْتَ، ومَا أَمَرْتَ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ فَأَمْرُنَا تَبَعٌ لأَمْرِكَ، فَواللهِ لَئِن سِرْتَ حَتَّى تَبْلُغ البَرْكَ مِنْ غمدَان، لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ، وَوَاللهِ لَئِنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هذَا البَحْرَ خُضْنَاهُ مَعَكَ))، وقَالَ لَهُ المِقْدَادُ: ((لا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فقاتِلا إنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ، وَمِنْ خَلْفِكَ)). فأشرق وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وسُرَّ بِمَا سَمِعَ مِنْ أصحابِه، وقالَ: ((سِيرُوا وأَبْشروا،فإنَّ الله قَدْ وَعَدَنى إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وإنِّى قَدْ رَأَيْتُ مَصارعَ القَوْمِ)).


 
 توقيع : الalwaafiـوافي

الــــــــalwaafiــــــــوافي


رد مع اقتباس