عرض مشاركة واحدة
قديم 12-12-2003, 03:16 AM   #3
مركز تحميل الصور


الصورة الرمزية الalwaafiـوافي
الalwaafiـوافي غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 481
 تاريخ التسجيل :  Sep 2003
 أخر زيارة : 05-14-2017 (05:24 PM)
 المشاركات : 1,039 [ + ]
 التقييم :  1
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



فأرباب هذا القولِ عذرُهم ظاهر كما ترى ، ولكن ما عذرُهم فى حُكمه وخبره الذى حكم به على نفسه ، وأخبر عنها بقوله : (سُقتُ الهَدْىَ وقرنت )، وخبر مَن هو تحت بطن ناقته ، وأقربُ إليه حينئذ من غيره ، فهو من أصدق الناس يسمعهُ يقول لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ )، وخبر مَنْ هو مِنْ أعلم النَّاسِ عنه صلى اللَّه عليه وسلم ، علىُّ بن أبى طالب رضى اللَّه عنه ، حين يُخبر أنه أهلَّ بهما جميعاً ، ولبَّى بهما جميعاً ، وخبرُ زوجته حفصةَ فى تقريره لها على أنه معتمِرٌ بعُمرة لم يَحِلَّ منها ، فلم يُنْكِرْ ذلك عليها ، بل صدَّقها ، وأجابها بأنه مع ذلك حاج ، وهو صلى اللَّه عليه وسلم لا يُقِرُّ على باطل يسمعُه أصلاً ، بل يُنْكرُه ، وما عذرهم عن خبره صلى اللَّه عليه وسلم عن نفسه بالوحى الذى جاءه من ربه ، يأمُره فيه أن يُهِلَّ بحَجَّةٍ فى عُمْرَةٍ ، وما عذرهم عن خبر مَن أخبر عنه من أصحابه ، أنه قرن ، لأنه علم أنه لا يحُجُّ بعدها ، وخبر مَن أخبر عنه صلى اللَّه عليه وسلم أنه اعتمَر مع حجَّته ، وليس مع مَن قال : إنه أفرد الحجَّ شئٌ من ذلك البتّة ، فلم يَقُلْ أحدٌ منهم عنه : إنِّى أفردت ، ولا أتانى آتٍ من ربى يأمرُنى بالإفراد ، ولا قال أحدٌ : ما بالُ الناسِ حَلُّوا ، ولم تَحِلَّ مِن حَجَّتك ، كما حَلُّوا هم بعُمرة ، ولا قال أحدٌ : سمعتُه يقول : لبَّيْكَ بعُمرة مفردة البتة ، ولا بحَج مفرد ، ولا قال أحدٌ : إنه اعتمر أربع عُمَر الرابعة بعد حَجته ، وقد شهد عليه أربعة من الصحابة أنهم سمعوه يُخبِرُ عن نفسه بأنه قارن ، ولا سبيلَ إلى دفع ذلك إلا بأن يقال : لم يسمعوه . ومعلوم قطعاً أن تطرُّقَ الوهم والغلطِ إلى مَن أخبر عما فهمه هو مِن فعله يظنُّه كذلك أولى من تَطَرَّق التكذيب إلى مَن قال : سمعتُه يقول كذا وكذا وإنه لم يسمعه ، فإن هذا لا يتطرق إليه إلا التكذيبُ ، بِخلافِ خبرِ مَن أخبر عما ظنَّه مِن فعله وكان واهماً ، فإنه لا يُنسب إلى الكذب ، ولقد نزَّه اللَّه علياً ، وأنساً ، والبرّاء ، وحفصة عن أن يقولوا : سمعناه يقول كذا ولم يسمعوه ، نزَّهه ربّه تبارك وتعالى ، أن يرسل إليه : أن افعل كذا وكذا ولم يفعله ، هذا مِن أمحل المُحال ، وأبطلِ الباطل ، فكيف والذين ذكروا الإفراد عنه لم يُخالفوا هؤلاء فى مقصودهم ، ولا ناقضوهم ، وإنما أرادوا إفراد الأعمال ، واقتصاره على عمل المفرد ، فإنه ليس فى عمله زيادةٌ على عمل المفرد . ومَن روى عنهم ما يُوهِم خلاف هذا ، فإنه عبَّر بحسب ما فهمه ، كما سمع بكر بن عبد اللَّه بنَ عمر يقول : أفرد الحج ، فقال : لبَّى بالحجِّ وحده ، فحمله على المعنى . وقال سالم ابنه عنه ونافع مولاه : إنه تمتَّع ، فبدأ فأهلَّ بالعُمرة ، ثم أهلَّ بالحجِّ ، فهذا سالم يُخبرُ بخلاف ما أخبر به بكر ، ولا يَصِحُّ تأويل هذا عنه بأنه أمر به ، فإنه فسَّره بقوله : وبدأ فأهلَّ بالعُمرة ، ثم أهلَّ بالحجِّ ، وكذا الذين رَوَوُا الإفراد عن عائشة رضى اللَّه عنها ، فهما : عُروة ، والقاسم ، وروى القِران عنها عروةُ ، ومجاهد ، وأبو الأسود يروى عن عُروة الإفراد ، والزُّهرى يروى عنه القِران . فإن قدَّرنا تساقُطَ الروايتين ، سلمت رواية مجاهد ، وإن حُمِلَتْ رِوايةُ الإفراد على أنه أفرد أعمال الحج ، تصادقت الروايات وصدَّق بعضها بعضاً ، ولا ريب أن قول عائشة ، وابن عمر : أفرد الحجَّ ، محتمل لثلاثة معان :

أحدها : الإهلال به مفرداً .

الثانى : إفرادُ أعماله .

الثالث : أنه حجَّ حَجةً واحدة لم يَحُجَّ معها غيرها ، بخلافِ العُمْرة ، فإنها كانت أربع مرات .

وأما قولهما : تمتَّع بالعُمرة إلى الحج ، وبدأ فأهلَّ بالعُمْرة ، ثم أهلَّ بالحج ، فحكيا فِعلَه ، فهذا صريح لا يحتمِل غير معنى واحد ، فلا يجوز ردُّه بالمجمل ، وليس فى رواية الأسود بن يزيد وعمرة عن عائشة ، أنه أهلَّ بالحجِّ ما يُناقض رواية مجاهد وعُروة عنها أنه قرن ، فإن القارِن حاج مُهِل بالحجِّ قطعاً ، وعُمْرته جزء من حَجته ، فمن أخبر عنها أنه أهلَّ بالحج ، فهو غيرُ صادق ، فإن ضُمت رِواية مجاهد إلى رواية عمرة والأسود ، ثم ضُمتا إلى رواية عُروة ، تبيَّن من مجموع الروايات أنه كان قارناً ، وصدَّق بعضُّها بعضاً ، حتى لو لم يحتَمِلْ قولُ عائشة وابن عمر إلا معنى الإهلال به مفرداً ،لَوَجَبَ قَطْعاً أن يكون سبيله سبيل قول ابن عمر : اعتمر فى رجب ، وقول عائشة أو عروة : إنه صلى اللَّه عليه وسلم اعتمر فى شوَّال ، إلا أن تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة لا سبيل أصلاً إلى تكذيب رواتها ولا تأويلها وحملها على غير ما دلَّت عليه ، ولا سبيل إلى تقديم هذه الرواية المجملة التى قد اضطربت على رواتها ، واختُلِفَ عنهم فيها ، وعارضهم مَنْ هو أوثق منهم أو مثلُهم عليها .

وأما قول جابر : إنه أفرد الحَجَّ ، فالصريحُ من حديثه ليس فيه شئ من هذا ، وإنما فيه إخبارُه عنهم أنفسهم أنهم لا ينوون إلا الحج ، فأين فى هذا ما يدل على أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لبَّى بالحجِّ مفرداً .

وأما حديثه الآخرُ الذى رواه ابن ماجه ، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أفرد الحَج ، فله ثلاث طرق . أجودها : طريق الدراوردى عن جعفر بن محمد عن أبيه ، وهذا يقيناً مختصر من حديثه الطويل فى حَجَّة الوداع ، ومروى بالمعنى ، والناس خالفوا الدراوردى فى ذلك . وقالوا : أهلَّ بالحَجِّ ، وأهلَّ بالتوحيد . والطريق الثانى : فيها مُطرِّف بن مُصعب ، عن عبد العزيز بن أبى حازم ، عن جعفر ومُطرِّف ، قال ابن حزم : هو مجهول ، قلتُ : ليس هو بمجهول ، ولكنه ابنُ أخت مالك ، روى عنه البخارى ، وبشر بن موسى، وجماعة . قال أبو حاتم : صدوق مضطرب الحديث ، هو أحبُّ إلىَّ من إسماعيل بن أبى أويس ، وقال ابن عدى : يأتى بمناكير ، وكأنَّ أبا محمد ابن حزم رأى فى النسخة مُطرِّف بن مُصعب فجهله ، وإنما هو مُطرِّف أبو مصعب ، وهو مطرِّف ابن عبد الله بن مطرِّف بن سليمان بن يسار ، وممن غَلِطَ فى هذا أيضاً ، محمد بن عثمان الذهبى فى كتابه( الضعفاء) فقال : مُطرِّف بن مُصعب المدنى عن ابن أبى ذئب منكر الحديث . قلتُ : والراوى عن ابن أبى ذئب ، والدراوردى ، ومالك ، هو مُطرِّف أبو مُصعب المدنى ، وليس بمنكر الحديث ، وإنما غرَّه قولُ ابنِ عدى : يأتى بمناكير ، ثم ساق له منها ابنُ عدى جملة ، لكن هى من روايةِ أحمد بن داود بن صالح عنه ، كذَّبه الدارقطنى ، والبلاء فيها منه .

والطريق الثالث : لحديث جابر فيها محمد بن عبد الوهَّاب يُنظر فيه مَن هو وما حالُه عن محمد بن مسلم ، إن كان الطائفى ، فهو ثقة عند ابن معين ، ضعيف عند الإمام أحمد ، وقال ابن حزم : ساقط البتة ، ولم أر هذه العبارة فيه لغيره ، وقد استشهد به مسلم ، قال ابنُ حزم : وإن كان غيره ، فلا أدرى مَن هو ؟ قلت : ليس بغيره ، بل هو الطائفى يقيناً ، وبكلِّ حال فلو صح هذا عن جابر ، لكان حكمه حكم المروىِّ عن عائشة وابنِ عمر ، وسائر الرواة الثقات ، إنما قالوا : أهلَّ بالحَجِّ ، فلعلَّ هؤلاء حملوه على المعنى ، وقالوا : أفرد الحَج ، ومعلوم أن العُمرة إذا دخلت فى الحجِّ ، فمَن قال : أهلَّ بالحَج ، لا يُناقِضُ مَن قال : أهلَّ بهما ، بل هذا فصَّل ، وذاك أجمل . ومَن قال : أفرد الحجَّ ، يحتمِل ما ذكرنا من الوجوه الثلاثة ، ولكن هل قال أحدٌ قطُّ عنه : إنه سمعه يقول لبَّيْكَ بِحَجَّةٍ مفردة)،هذا ما لا سبيل إليه ، حتى لو وُجِدَ ذلك لم يُقَدَّمْ على تلك الأساطين التى ذكرناها والتى لا سبيلَ إلى دفعها البتة ، وكان تغليطُ هذا أو حملُه على أول الإحرام ، وأنه صار قارناً فى أثنائه متعيناً ، فكيف ولم يثبُت ذلك ، وقد قدَّمنا عن سُفيان الثورى ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر رضى اللَّه عنه ، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، قرن فى حَجَّة الوداع . رواه زكريا الساجى ، عن عبد اللَّه بن أبى زياد القَطَوانى ، عن زيد ابن الحُباب ، عن سفيان ، ولا تناقض بين هذا وبين قوله : أهلَّ بالحَجِّ ، وأفرد بالحَجِّ ، ولبَّى بالحَجِّ ، كما تقدَّم .

فصل

فى الترجيح لرواية مَن روى القِران

فحصل الترجيحُ لرواية مَن روى القِران لوجوه عشرة .

أحدها : أنهم أكثرُ كما تقدَّم .

الثانى : أن طُرق الإخبار بذلك تنوّعت كما بيَّناه .

الثالث : أن فيهم مَن أخبر عن سماعه ولفظه صريحاً ، وفيهم مَن أخبر عن إخباره عن نفسه بأنه فعل ذلك ، وفيهم مَن أخبر عن أمر ربه له بذلك ، ولم يجئ شئٌ من ذلك فى الإفراد .

الرابع : تصديقُ روايات مَن روى أنه اعتمر أربع عُمَر لها .

الخامس : أنها صريحة لا تحتمِلُ التأويل ، بخلاف روايات الإفراد .

السادس : أنها متضمِّنة زيادةً سكت عنها أهلُ الإفراد أو نَفَوْها ، والذاكر الزائد مقدَّم على الساكت ، والمُثْبِتُ مقدَّم على النافى .

السابع : أن رواة الإفراد أربعة : عائشة ، وابنُ عمر ، وجابر ، وابنُ عباس ، والأربعة رَوَوُا القِران ، فإن صِرنا إلى تساقُطِ رواياتهم ، سَلِمَتْ رواية مَن عداهم للقِران عن معارض ، وإن صِرنا إلِى الترجيح ، وجب الأخذُ برواية مَن لم تضطِرب الروايةُ عنه ولا اختلفت ، كالبرَّاء ، وأنس ، وعمرَ بن الخطاب ، وعِمران بن حصين ، وحفصة ، ومَن معهم ممن تقدَّم .

الثامن : أنه النُّسُك الذى أُمِرَ به من ربِّه ، فلم يكن ليعدل عنه .

التاسع : أنَّه النُّسُك الذى أُمر به كُلُّ مَن ساق الهَدْى ، فلم يكن لِيأمرهم به إذا سَاقُوا الهَدْى ، ثم يسوق هو الهَدْى ويُخالفه .

العاشر : أنَّه النُّسُك الذى أَمر به آله وأهلَ بيتِهِ ، واختاره لهم ، ولم يكن لِيختارَ لهم إلا ما اختارَ لنفسه .

وَثَمَّتَ ترجيحٌ حادى عشر ، وهو قوله دخلت العُمْرة فى الحَجِّ إلى يوم القيامة )، وهذا يقتضى أنها قد صارت جُزءاً منه ، أو كالجزء الداخل فيه ، بحيث لا يُفصل بينها وبينه ، وإنما تكون مع الحجِّ كما يكون الداخل فى الشئ معه .

وترجيح ثانى عشر : وهو قولُ عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه للصُّـبَىّ ابن معبد وقد أهلَّ بحجٍّ وعُمرة ، فأنكر عليه زيد بن صُوحان ، أو سلمان ابن ربيعة ، فقال له عمر : هُدِيتَ لسُّـنَّة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا يُوافق رواية عمر عنه صلى اللَّه عليه وسلم أن الوحى جاءه من اللَّه بالإهلالِ بهما جميعاً ، فدلَّ على أن القِران سُّـنَّتُه التى فَعَلَها ، وامتثلَ أمرَ اللَّه له بِها .

وترجيح ثالث عشر : أن القارنَ تقعُ أعمالُه عن كُلٍّ من النُّسُكين ، فيقع إحرامُه وطوافُه وسعيُه عنهما معاً ، وذلك أكملُ مِن وقوعه عن أحدهما ، وعمل كل فعل على حِدة .

وترجيح رابع عشر : وهو أن النُّسُكَ الذى اشتمل على سَوْق الهَدْى أفضلُ بلا ريب مِن نُسُكٍ خلا عن الهَدْى ، فإذا قَرنَ ، كان هَدْيُه عن كل واحد من النُّسُكين ، فلم يَخْلُ نُسُكٌ منهما عن هَدْى ، ولهذا واللَّه أعلم أمرَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم مَن ساق الهَدْى أن يُهِلَّ بالحَجِّ والعُمْرة معاً ، وأشار إلى ذلك فى المتفق عليه من حديث البرَّاء بقوله : (( إنى سُقْتُ الهَدْىَ وَقَرنْتُ )) .

وترجيح خامس عشر : وهو أنه قد ثبت أن التمتع أفضلُ من الإفراد لوجوه كثيرة منها : أنه صلَّى اللَّه عليه وسلم أمرهم بفسخ الحَجِّ إليه ، ومُحالٌ أن يَنْقُلَهُم من الفاضِل إلى المفضُول الذى هو دونه . ومنها : أنه تأسَّف على كونه لم يفعله بقوله : (( لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرى مَا اسْتَدْبَرْتُ لمَا سُقْتُ الهَدْىَ ولَجَعَلْتُها عُمْرةً )) . ومنها : أنه أَمر به كُلَّ مَن لم يَسُقِ الهَدْىَ . ومنها : أن الحجَّ الذى استقر عليه فعله وفعل أصحابه القِران لمن ساق الهَدْىَ ، والتمتع لمن لم يَسُق الهَدْى ، ولوجوه كثيرة غير هذه ، والمتمتع إذا ساق الهَدْى ، فهو أفضلُ مِن متمتع اشتراه من مكة ، بل فى أحد القولين : لا هَدْى إلا ما جمع فيه بين الحِلِّ والحَرَم . فإذا ثبت هذا ، فالقارِن السائق أفضلُ من متمتع لم يسق ، ومِن متمتع ساق الهَدْى لأنه قد ساق من حين أحرم ، والمتمتع إنما يسوقُ الهَدْى مِن أدنى الحِلِّ ، فكيف يُجعل مُفرِدٌ لم يَسُقْ هَدْياً ، أفضل من متمتِّع ساقه من أدنى الحل ؟ فكيف إذا جُعِل أفضل من قارن ساقه من الميقات ، وهذا بحمد اللَّه واضح .


 
 توقيع : الalwaafiـوافي

الــــــــalwaafiــــــــوافي


رد مع اقتباس