عرض مشاركة واحدة
قديم 12-10-2006, 01:41 AM   #5
مركز تحميل الصور


الصورة الرمزية $بلزاك$
$بلزاك$ غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 190
 تاريخ التسجيل :  Jan 2003
 أخر زيارة : 07-09-2009 (12:25 AM)
 المشاركات : 619 [ + ]
 التقييم :  1
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: دعاة على أبواب جهنم ( العلمانيون )



صناعة الأشباح الفكرية ووهم الوجود

الكثير من الأيديولوجيات التي ظهرت في العالم، إن لم يكن كلها على الإطلاق، ينهج سياسة تقوم على صناعة عدو لأتباعها أشبه ما يكون بالميتافيزيقيا الفكرية، أي عدو يشبه الأشباح وقصصها وتحاك حوله الأساطير والروايات مستخدمة فكرة أن هذا العدو قريب من كل فرد يعتنق هذه الأيديولوجيا وأنه يشكل خطرا محدقا على المجتمع, ومن هذا ما فعلته الشيوعية من تضخيم شبح الرأسمالية وخطرها، وكذلك ما فعله الغرب من التحذير من المد الشيوعي العالمي وتمرير فكرة الإلحاد لإثارة المسلمين واستخدام فكرة العداء بين الأيديولوجيا المتطرفة وبين الأيديولوجيا الحمراء، وهكذا فعل الكثير من العرب عندما استخدموا الليبرالية الغربية شبحا يطلبون فيه الخلاص من الفكر الاستعماري الغربي؛ وبفعل التحول السياسي والفكري الذي أنتج حركة الإخوان المسلمين في بداية القرن الماضي فقد ولد التأسيس لفكرة العدو المفتعل من أجل منهجية تتمركز حول الذات ولكنها صورت الأفق البعيد بأنه العدو القادم, وهذا في الحقيقة المبرر الذي جعلني أسرد المرحلة التاريخية بشكل عكسي حيث بدأت بالأحدث إلى الأقدم بهدف التوضيح بأن فكرة العدو الغامض وصناعته هي فكرة "الأيديولوجيا الصحوية" والتي اخترعها الإسلام الحركي في بدايته في المنطقة ونجح في تأجيج المشاعر مستخدما العاطفة الدينية، وكان من أبرز الأهداف المرجوة:
أولا: الرد التاريخي على مرحلة العصور الوسطى التي أطاحت بالكنيسة؛ وبفعل الخوف من تكرار الحدث، بشكله السياسي وليس المذهبي، كان لا بد من التركيز على الربط بين العناصر الحياتية بشكل يستخدم فكرة القدرة المطلقة للأيديولوجيا المطروحة على إيجاد الحلول الفورية لمعطيات الحياة، ومع أن الهدف الذي أطاح بالأيديولوجيا لم تكن الثورة فيه على الكنيسة هدفها إزالة المذهب من الوجود بقدر ما كانت تهدف إلى إزاحة الأيديولوجيا السياسية من السيطرة المتراكمة التي حولت الحياة الاجتماعية إلى مرجعية يتم السيطرة فيها باسم المعتقدات وتحت لواء العقائد.
ثانيا: تأصيل العداء لشبح الاستعمار والليبرالية والشيوعية والمذاهب المخالفة والمختلفة وضمها تحت مسمى واحد هو أنها جميعا تعتقد "العلمانية" ولم يكن ذلك إلا لخلق حالة "هلامية" حول المركز المتمثل بالأيديولوجيا الحزبية التي اتخذت المعتقد مطية للوصول إلى السياسة وأروقتها, ولتبرير هذه الفعلة التاريخية كان لا بد من خلق إطار منهجي يؤكد أن شمولية الحياة وصناعتها يمكن السيطرة عليها من خلال المرجع الجديد الذي سوف يحتوي على كل مشكلات الحياة القائمة واللاحقة.
ولتحقيق الهدف السياسي تحت دعوى القدرة على توفير الحلول لكل مناشط الحياة السياسية والاجتماعية فقد كان لا بد من تسمية العدو القديم تاريخيا "العلمانية" الذي أسقط الأيديولوجيا الفكرية المماثلة كما يروج لذلك وجعله مادة للهجوم والتهييج المضاد حيث يتم من خلالها تغذية مستمرة وبشكل مباشر لكل أشكال العنف النفسي والجسدي والمعنوي لأنها تمثل العدو الميتافيزيقي غير المرئي على المستوى السياسي والاجتماعي, ولذلك
يسهل اتهام المجتمع والأفراد بالعلمانية حيث يستخدم في ذلك أسلوب الإسقاط النفسي القاضي بأن كل مخالفة صغيرة أو كبيرة إنما هي تمهيد منهجي للفكر العلماني في المجتمع، ولذلك وقع الكثير من أفراد المجتمع في مأزق تعريف العلمانية لبعضهم البعض وهذا بسبب أن "العدو الوهم" ليس له وجود على أرض الواقع فهو من أساطير الأيديولوجيا الصحوية وفي أشرطتها وكتبها وأفكارها ولكنها لم تستطع أن تعرفه أو تحدد ملامحه للمجتمع لأنه في الحقيقة غير موجود فلا يوجد سوى وهم تتمركز حوله الخطب والأدعية التي تختتم بها المحاضرات,
ويحاول الكثير من مريدي الأيديولوجيا وقياداتها وفي كل الأوقات أن يمارسوا فكرة الإسقاط على بعض الأفراد باتهامهم بالعلمانية وذلك بالتحذير مما يكتبون أو يقولون وهذا التحذير لا يهدف إلى التضحية بالأشخاص أنفسهم بقدر ما هو بهدف المحافظة على تكريس فكرة العداء والمؤامرة القادمة المتمثلة في وهم اسمه العلمانية ووجودها،
وهذا ما يخلق شعورا بالخوف والهلع لأفراد المجتمع من ذوي التدين الطبيعي ومن الشباب المراهقين، ونتيجة لشحنهم المستمر وتصورهم لكلمة العلمانية بدرجة موازية "للخروج من الملة" فهم مستعدون للتحرك في جميع الاتجاهات حتى إن كانت في اتجاه العنف كما يحدث, ومع أن الجميع يراهن على عدم وجود العلمانية في العالم، كما تعرفها الأيديولوجيا المتداولة أو كما تصفها التيارات الحزبية المؤدلجة في المجتمع، إلا أن الأيديولوجيا السائدة استطاعت أن تغرس في أذهان المجتمع القصص الخيالية والمؤثرة في هذا الاتجاه؛ ولو تتبعت الفكر الذي تطرحه الأيديولوجيا والإرهابيون لن تجده يقوم على فكرة نشر الإسلام في الأرض بالطرق الواردة في المنهج الحقيقي الإسلامي ولن تجده يطرح بهذه الطريقة إنما يقوم على فكرة التخلص من الغرب على اعتبار أن الغرب "علماني" ومن كل من له صلة بالغرب فهو من حملة نفس الصفات حتى إن كان مسلما يعيش هناك, وهذا يعيدنا إلى اللعبة الخطيرة التي تدار في المجتمع فتخصيص الدعاء والقنوت وفرد الخطب للدعاء والخلاص من وهم لا يمكن وجوده في المجتمع، إنما هو المؤسس الحقيقي الذي أوقد شرارة العنف، ولعل المجتمع يعكس تلك النظرة الآن فهو لا يعلم تفسيرا لتك المصطلحات التي تدار من حوله سواء أنها توحي له بالعداء، ومن الطبيعي أن يتخذ الحذر ويتوجس ما دام لا يسمح له بأن يرى أو يفهم ما هو هذا العدو المفتعل, ولماذا لا يكون كذلك وهو يجد في أحد الكتب المنشورة بين يديه فصلا يقول إن من أسباب العلمانية في العالم الإسلامي "انحراف الأمة الإسلامية" فإذا كانت ثقته تُهز بأمته أولا فمن الطبيعي أن يعتبر أن مجتمعه جزء من هذه الأمة ولذلك فإنه يسري عليه هذا الحكم فتحويل الخطب والمحاضرات إلى نموذج يكرس فيه النوح والدعاء على أوهام لم يرها الفرد أو المجتمع يشكل في حقيقته تأصيلا لرد الفعل النفسي المتوقع الذي قد يصدر من الأفراد ومنها العنف بجميع أشكاله, ولذلك علينا أن نوقف ممارسات الإيهام للمجتمع واختلاق الأشباح وتخصيص الخطب لكيل الأدعية على وهم صنعه الفكر السياسي لهذه الأيديولوجيات الحزبية.


علي الخشيبان: كاتب سعودي


 
 توقيع : $بلزاك$

"كلّما ازداد حبنا تضاعف خوفنا من الإساءة إلى من نحب"

" أنوريه دى بلزاك"


رد مع اقتباس