ابو فجر القشيري
04-16-2007, 01:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
هل أصبح الزواج التقليدي وبكل حيثياته، سواء أكان من ناحية تسلّط الزوج على زوجته أم العكس، تمرّد الزوجة على زوجها، من أحد أسباب عزوف الشباب والشابات عن الزواج؟ وما هي الأسباب التي تجعل الرجل متسلّطاً والمرأة متمردة في بعض الأحيان؟
إنّ تزايد أعداد النساء غير المتزوجات اللاتي يعشنّ وحيدات، معظمهنّ متعلمات.. وبعضهنّ يعملنّ بأجر، وفي اعتقاد بعضهنّ بأنهنّ في غير حاجة إلى زوجٍ يسيطر عليْهنّ بحجة الإنفاق عليْهنّ. إضافةً إلى أنّ بعض النساء العاملات والمتزوجات يعانين من استغلال بعض الأزواج لدخلهنّ.
إنّ الاستقلال الاقتصادي للمرأة السعودية قد منحها استقلالاً ذاتياً وفكرياً مما جعلها ترفض بعض الأمور التي تجعلها تابعة وخاضعة لهيمنة الرجل. ولذلك نجد أنّ المرأة أصبحت مثل نظيرها الرجل تُقبل على أشكال جديدة منَ الزواج مثل: زواج المسيار، وزواج فرند وغيرها من أنواع الزواج الأخرى. فبعضهنّ يعتقد أنّ من خلال هذه الأنواع منَ الأنكحة يحافظنّ على استقلالهنّ المادي والذاتي. فهُنّ بذلك يتحررنّ من طاعة الزوج المطلقة والمفروضة عليهن مقابل الإنفاق عليهن في ظل علاقة زوجية تقليدية. ويبدو أنّ لقب (عانس) لم يعد ينال من كرامة المرأة، أو ينتقص منها. فبعض النساء الآن أصبحنّ يحملنّ ألقاباً عديدة أخرى، فمنهن من تحمل لقب كاتبة، معلمة،أديبة، دكتورة، طبيبة أو سيدة أعمال.
لذلك فإنّ بعض النساء السعوديات لم يعدنّ أولئك النساء البائسات واللاتي ينتظرنّ من يعيلهنّ أو ينفق عليهنّ مقابل تجريدهنّ من كينونتهنّ الإنسانية والسيطرة عليهنّ.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل نترك العنان لهذه المعايير المادية والاقتصادية من نفقة ومهر ومال وغيرها المسيطرة على الفكر السائد لدينا أن تتجذّر في ثقافتنا بشكلٍ سلبي مما يؤدي إلى انهيار العلاقات الزوجية في مجتمعاتنا، أو مما يجعل الشباب ذكوراً وإناثاً يعزفون عن الزواج المستقر؟.
فالعلاقة الزوجية وكما يصورها بعض الفقهاء" أنّ المرأة محبوسة على الزوج بمقتضى عقد الزواج، ممنوعة من التصرف والاكتساب لتفرغها لحقه، فكان عليه أن ينفق عليها، وعليه كفايتها ،...فالنفقة جزاء الاحتباس،..." الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ص7373،ج/ العاشر هي علاقة (تابع ومتبوع). فهل هذا يعني لو أنّ عنصر الإنفاق من قِبل الرجل قد توَقف لأي سببٍ من الأسباب، يتوَقف تلقائياً مبدأ احتباس المرأة لدى الزوج؟، بمعنى أنّ المرأة تصبح حرة في تصرفاتها دون وضع أي اعتبار لإذن الزوج. هل هذه هي العلاقة التي ننشدها لتعزيز العلاقة بين الذكر والأنثى في إطار علاقة يجب أن تكون على أقل تقدير علاقة تقوم على الود والرحمة. وكأننا بذلك نُعطي المرأة سبباً وجيهاً لأن تتخلى عن التزامها الأخلاقي تجاه زوجها عند عجزه في النفقة عليها.
إنّ العلاقة الزوجية هي علاقة أسمى من أن يتحكم بها العنصر المادي. فكيف لا ولنا في السيدة خديجة الأسوة الحسنة وهي التي كانت تنفق من مالها وهي زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانت علاقتهما قائمة على الحب، والولاء، والالتزام والانتماء، والود والثقة، والرحمة والإخلاص، والعدل والمساواة، والندية أيضاً. فهي التي كانت تؤنس وحدته وتدثّره وتواسيه وتعضده، ولو لم يكن سيد الخلق صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحتاج لكل تلك المشاعر المساندة له في دعوته، لكان قد استغنى عنها واستبدلها بتعزيز منَ عند الله كونه نبي الله (فلو سأل لَأُعطَى) ولكنه قد اكتفى وقدّر ما قدمته له السيدة خديجة من مؤازرة عاطفية ونفسية ومادية.
وهكذا تكون العلاقة بين الرجل والمرأة في ذلك الإطار المحكم. فالعلاقة الصحيحة لا تستند على عنصر المال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم". فالمشاعر الحقيقية لا تزول بزوال المال وإنما تتعزز أكثر من خلال المحن فهي خير اختبار لكلا الطرفين ليثبتا صدق مشاعرهما تجاه بعضهما البعض.
لذا فإنّ العلاقة الزوجية وبشكلها التقليدي وهو حبس الرجل لزوجته مقابل نفقته عليها وهو ما يجعلها تتشكّل على أساس(تابع ومتبوع)، هي أحد الأسباب الرئيسة في انهيار العلاقة والتفكك الأسري. كما أنها أحد الأسباب التي أدّت إلى عزوف الشباب والشابات عن الزواج.
كما أننا نلاحظ أنّ نسبة الطلاق في ازديادٍ مطرد وذلك بسبب أنّ الرجل يريد حبس المرأة وتطويعها مقابل نفقته عليها، والمرأة المعاصرة ترفض هذا النوع منَ التطويع كونها أصبحت مستقلة مادياً وفكرياً عنه.
وقد يحدث الطلاق بين زوجين لديهما عدد منَ الأطفال الذين يعانون من تعسّف الوالدين نحوهم سواءً كان ذلك من معاملة أو نفقة وكل ذنبهم أنهم وجدوا أنفسهم أولاداً لهذا أو تلك. ونلاحظ أنّ من أكثر المشاكل التي تحدث بين الزوجين، هي بسبب توفر عنصر المال من عدمه. وكأنّ علاقتهما قد أُسست على استغلال كل طرف للآخر.
مع أنّ الشرع قد حسم هذا الأمر استناداً لقوله تعالى: ?..وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ.. ? " البقرة آية 233". ولقد أجمع العلماء على ( إن كان الأب معسراً والأم موسرة ، تؤمر بالإنفاق، وتكون النفقة ديْناً على الأب) الزحيلي. وقال ابن حزم الظاهري: إن عجز الزوج عن نفقة نفسه وامرأته غنية، كُلفت النفقة عليه ، ولا ترجع عليه بشيء مما أنفقته...) مستنداً على الآية السابقة لقوله تعالى:" وعلى الوارث مثل ذلك"، وقال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: (الزوجة وارثة، فعليها نفقته بنص القرآن)،الزحيلي. وما أود تبيانه من هذا الطرح هو أنّ عنصر المال بقدر ما هو عنصر حيوي وهام إلا أنه عنصرٌ هدام إن جعلناه يتحكم في علاقاتنا الإنسانية وخاصةً في العلاقة الزوجية والأسرية. فالكل ينفق من سعته ولنا في السيدة خديجة رضي الله عنها الأسوة الحسنة.
كما أنّ احتباس المرأة لزوجها مقابل النفقة ما هو إلا اجتهاد من قِبل الفقهاء وليس فيه سند من القرآن أو السنة، ولا يقصد من هذا الطرح بأن تسقط النفقة عن الزوج ولكن للمرأة العاملة أو الوارثة أن تساهم في النفقة دون منٍ أو أذى.
فإن طالبت المرأة بمبدأ المساواة في الحقوق فلها أن تلتزم بمبدأ المساواة في الواجبات. حيث لم يرد هناك نصٌ قطعيٌ في القرآن ولا في السنة يدل على أنّ المرأة لا تساهم في الإنفاق. وليس منَ المعقول أن تعمل المرأة مقابل أجر وتكتنز مالها في حين يقع العبء كله في النفقة على الزوج وحده. فهذا ليس من العدل. وإن قبلت النساء بمبدأ الاحتباس مقابل النفقة فليس لها أن تشتكي بحبس الرجل لها. وإن أنفقت من مالها راضيةً دون منة ولا أذى فلها من الحقوق ما للرجل ولا يعني هذا تسلط أحدهما على الآخر مقابل المساهمة في الإنفاق. وإنما يعني التزام كل منهما نحو الآخر عاطفياً، أخلاقياً ومادياً بناءً على ما قرره القرآن الكريم.
فمشكلة إحجام بعض الرجال والنساء عن الزواج التقليدي وممارستهم لأنواع أخرى من الزواج، والتي يتم من خلالها الحفاظ على مصالحهما المادية كونها أصبحت العنصر الأهم في العلاقة، ومن ثم البحث عن الاستقلالية الذاتية لكل منهما، ما زالت مجهولة لدى الباحثين في علوم الإنسان وعلوم الاجتماع. فعادةً ما تكون حركة الواقع أسرع من حركة البحوث العلمية. لذلك فإننا نجد أنّ المتغيرات الاجتماعية تتبلور وتظهر بشكلٍ تلقائي على السطح كفقاعات الماء، وتفرض نفسها على الواقع طالما أنها تلبي حاجات إنسانية معينة، سواءٌ أكانت سلبية أم إيجابية. وإننا نلاحظ أنّ هذه المتغيرات تؤثر وبشكلٍ معين على مسألة الاجتهاد لاستصدار تشريعات مواكبة للواقع. فمسألة تعدد أنواع الأنكحة وإباحاتها هي مسألة مستجدة، على الأقل في المجتمع السعودي، حيث إنّ مجمع الفقه الإسلامي قد أفتى بإباحة ممارستها.
و لكن ما هو أهم، وإلى جانب هذه الفتوى التي قد تكون حلاً مؤقتاً لإحدى القضايا الاجتماعية ألا وهي العنوسة من خلال تسهيل الزواج للشباب، نجد أنّ العلاقة بين الذكر والأنثى في مجتمعنا ما زالت علاقة تشوبها غيوم كثيفة تكاد لا تنقشع. فإنّ أحد الأسباب الداعمة لظاهرة العنوسة هي الثقافة السائدة لدى المجتمع وغير المواكبة للمستجدات الثقافية المعاصرة ، منها أنّ المرأة لم تعد تلك الإنسانة المنكسرة غير الواعية، وأنّ الرجل ما زال بمفهومه غير المتجدد.
لذلك فإنّ منَ الأهمية بمكان أن يتم الكشف عن هذه المستجدات كونها أصبحت جزءاً من ثقافة المجتمع والتعرف عليها لتمكين عملية التواصل بين المرأة والرجل وخاصةً في إطار علاقة زوجية مستقرة.
منقول من جريده
الكاتبه\ هيفاء بهاء عزّي*
هل أصبح الزواج التقليدي وبكل حيثياته، سواء أكان من ناحية تسلّط الزوج على زوجته أم العكس، تمرّد الزوجة على زوجها، من أحد أسباب عزوف الشباب والشابات عن الزواج؟ وما هي الأسباب التي تجعل الرجل متسلّطاً والمرأة متمردة في بعض الأحيان؟
إنّ تزايد أعداد النساء غير المتزوجات اللاتي يعشنّ وحيدات، معظمهنّ متعلمات.. وبعضهنّ يعملنّ بأجر، وفي اعتقاد بعضهنّ بأنهنّ في غير حاجة إلى زوجٍ يسيطر عليْهنّ بحجة الإنفاق عليْهنّ. إضافةً إلى أنّ بعض النساء العاملات والمتزوجات يعانين من استغلال بعض الأزواج لدخلهنّ.
إنّ الاستقلال الاقتصادي للمرأة السعودية قد منحها استقلالاً ذاتياً وفكرياً مما جعلها ترفض بعض الأمور التي تجعلها تابعة وخاضعة لهيمنة الرجل. ولذلك نجد أنّ المرأة أصبحت مثل نظيرها الرجل تُقبل على أشكال جديدة منَ الزواج مثل: زواج المسيار، وزواج فرند وغيرها من أنواع الزواج الأخرى. فبعضهنّ يعتقد أنّ من خلال هذه الأنواع منَ الأنكحة يحافظنّ على استقلالهنّ المادي والذاتي. فهُنّ بذلك يتحررنّ من طاعة الزوج المطلقة والمفروضة عليهن مقابل الإنفاق عليهن في ظل علاقة زوجية تقليدية. ويبدو أنّ لقب (عانس) لم يعد ينال من كرامة المرأة، أو ينتقص منها. فبعض النساء الآن أصبحنّ يحملنّ ألقاباً عديدة أخرى، فمنهن من تحمل لقب كاتبة، معلمة،أديبة، دكتورة، طبيبة أو سيدة أعمال.
لذلك فإنّ بعض النساء السعوديات لم يعدنّ أولئك النساء البائسات واللاتي ينتظرنّ من يعيلهنّ أو ينفق عليهنّ مقابل تجريدهنّ من كينونتهنّ الإنسانية والسيطرة عليهنّ.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل نترك العنان لهذه المعايير المادية والاقتصادية من نفقة ومهر ومال وغيرها المسيطرة على الفكر السائد لدينا أن تتجذّر في ثقافتنا بشكلٍ سلبي مما يؤدي إلى انهيار العلاقات الزوجية في مجتمعاتنا، أو مما يجعل الشباب ذكوراً وإناثاً يعزفون عن الزواج المستقر؟.
فالعلاقة الزوجية وكما يصورها بعض الفقهاء" أنّ المرأة محبوسة على الزوج بمقتضى عقد الزواج، ممنوعة من التصرف والاكتساب لتفرغها لحقه، فكان عليه أن ينفق عليها، وعليه كفايتها ،...فالنفقة جزاء الاحتباس،..." الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ص7373،ج/ العاشر هي علاقة (تابع ومتبوع). فهل هذا يعني لو أنّ عنصر الإنفاق من قِبل الرجل قد توَقف لأي سببٍ من الأسباب، يتوَقف تلقائياً مبدأ احتباس المرأة لدى الزوج؟، بمعنى أنّ المرأة تصبح حرة في تصرفاتها دون وضع أي اعتبار لإذن الزوج. هل هذه هي العلاقة التي ننشدها لتعزيز العلاقة بين الذكر والأنثى في إطار علاقة يجب أن تكون على أقل تقدير علاقة تقوم على الود والرحمة. وكأننا بذلك نُعطي المرأة سبباً وجيهاً لأن تتخلى عن التزامها الأخلاقي تجاه زوجها عند عجزه في النفقة عليها.
إنّ العلاقة الزوجية هي علاقة أسمى من أن يتحكم بها العنصر المادي. فكيف لا ولنا في السيدة خديجة الأسوة الحسنة وهي التي كانت تنفق من مالها وهي زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانت علاقتهما قائمة على الحب، والولاء، والالتزام والانتماء، والود والثقة، والرحمة والإخلاص، والعدل والمساواة، والندية أيضاً. فهي التي كانت تؤنس وحدته وتدثّره وتواسيه وتعضده، ولو لم يكن سيد الخلق صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحتاج لكل تلك المشاعر المساندة له في دعوته، لكان قد استغنى عنها واستبدلها بتعزيز منَ عند الله كونه نبي الله (فلو سأل لَأُعطَى) ولكنه قد اكتفى وقدّر ما قدمته له السيدة خديجة من مؤازرة عاطفية ونفسية ومادية.
وهكذا تكون العلاقة بين الرجل والمرأة في ذلك الإطار المحكم. فالعلاقة الصحيحة لا تستند على عنصر المال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم". فالمشاعر الحقيقية لا تزول بزوال المال وإنما تتعزز أكثر من خلال المحن فهي خير اختبار لكلا الطرفين ليثبتا صدق مشاعرهما تجاه بعضهما البعض.
لذا فإنّ العلاقة الزوجية وبشكلها التقليدي وهو حبس الرجل لزوجته مقابل نفقته عليها وهو ما يجعلها تتشكّل على أساس(تابع ومتبوع)، هي أحد الأسباب الرئيسة في انهيار العلاقة والتفكك الأسري. كما أنها أحد الأسباب التي أدّت إلى عزوف الشباب والشابات عن الزواج.
كما أننا نلاحظ أنّ نسبة الطلاق في ازديادٍ مطرد وذلك بسبب أنّ الرجل يريد حبس المرأة وتطويعها مقابل نفقته عليها، والمرأة المعاصرة ترفض هذا النوع منَ التطويع كونها أصبحت مستقلة مادياً وفكرياً عنه.
وقد يحدث الطلاق بين زوجين لديهما عدد منَ الأطفال الذين يعانون من تعسّف الوالدين نحوهم سواءً كان ذلك من معاملة أو نفقة وكل ذنبهم أنهم وجدوا أنفسهم أولاداً لهذا أو تلك. ونلاحظ أنّ من أكثر المشاكل التي تحدث بين الزوجين، هي بسبب توفر عنصر المال من عدمه. وكأنّ علاقتهما قد أُسست على استغلال كل طرف للآخر.
مع أنّ الشرع قد حسم هذا الأمر استناداً لقوله تعالى: ?..وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ.. ? " البقرة آية 233". ولقد أجمع العلماء على ( إن كان الأب معسراً والأم موسرة ، تؤمر بالإنفاق، وتكون النفقة ديْناً على الأب) الزحيلي. وقال ابن حزم الظاهري: إن عجز الزوج عن نفقة نفسه وامرأته غنية، كُلفت النفقة عليه ، ولا ترجع عليه بشيء مما أنفقته...) مستنداً على الآية السابقة لقوله تعالى:" وعلى الوارث مثل ذلك"، وقال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: (الزوجة وارثة، فعليها نفقته بنص القرآن)،الزحيلي. وما أود تبيانه من هذا الطرح هو أنّ عنصر المال بقدر ما هو عنصر حيوي وهام إلا أنه عنصرٌ هدام إن جعلناه يتحكم في علاقاتنا الإنسانية وخاصةً في العلاقة الزوجية والأسرية. فالكل ينفق من سعته ولنا في السيدة خديجة رضي الله عنها الأسوة الحسنة.
كما أنّ احتباس المرأة لزوجها مقابل النفقة ما هو إلا اجتهاد من قِبل الفقهاء وليس فيه سند من القرآن أو السنة، ولا يقصد من هذا الطرح بأن تسقط النفقة عن الزوج ولكن للمرأة العاملة أو الوارثة أن تساهم في النفقة دون منٍ أو أذى.
فإن طالبت المرأة بمبدأ المساواة في الحقوق فلها أن تلتزم بمبدأ المساواة في الواجبات. حيث لم يرد هناك نصٌ قطعيٌ في القرآن ولا في السنة يدل على أنّ المرأة لا تساهم في الإنفاق. وليس منَ المعقول أن تعمل المرأة مقابل أجر وتكتنز مالها في حين يقع العبء كله في النفقة على الزوج وحده. فهذا ليس من العدل. وإن قبلت النساء بمبدأ الاحتباس مقابل النفقة فليس لها أن تشتكي بحبس الرجل لها. وإن أنفقت من مالها راضيةً دون منة ولا أذى فلها من الحقوق ما للرجل ولا يعني هذا تسلط أحدهما على الآخر مقابل المساهمة في الإنفاق. وإنما يعني التزام كل منهما نحو الآخر عاطفياً، أخلاقياً ومادياً بناءً على ما قرره القرآن الكريم.
فمشكلة إحجام بعض الرجال والنساء عن الزواج التقليدي وممارستهم لأنواع أخرى من الزواج، والتي يتم من خلالها الحفاظ على مصالحهما المادية كونها أصبحت العنصر الأهم في العلاقة، ومن ثم البحث عن الاستقلالية الذاتية لكل منهما، ما زالت مجهولة لدى الباحثين في علوم الإنسان وعلوم الاجتماع. فعادةً ما تكون حركة الواقع أسرع من حركة البحوث العلمية. لذلك فإننا نجد أنّ المتغيرات الاجتماعية تتبلور وتظهر بشكلٍ تلقائي على السطح كفقاعات الماء، وتفرض نفسها على الواقع طالما أنها تلبي حاجات إنسانية معينة، سواءٌ أكانت سلبية أم إيجابية. وإننا نلاحظ أنّ هذه المتغيرات تؤثر وبشكلٍ معين على مسألة الاجتهاد لاستصدار تشريعات مواكبة للواقع. فمسألة تعدد أنواع الأنكحة وإباحاتها هي مسألة مستجدة، على الأقل في المجتمع السعودي، حيث إنّ مجمع الفقه الإسلامي قد أفتى بإباحة ممارستها.
و لكن ما هو أهم، وإلى جانب هذه الفتوى التي قد تكون حلاً مؤقتاً لإحدى القضايا الاجتماعية ألا وهي العنوسة من خلال تسهيل الزواج للشباب، نجد أنّ العلاقة بين الذكر والأنثى في مجتمعنا ما زالت علاقة تشوبها غيوم كثيفة تكاد لا تنقشع. فإنّ أحد الأسباب الداعمة لظاهرة العنوسة هي الثقافة السائدة لدى المجتمع وغير المواكبة للمستجدات الثقافية المعاصرة ، منها أنّ المرأة لم تعد تلك الإنسانة المنكسرة غير الواعية، وأنّ الرجل ما زال بمفهومه غير المتجدد.
لذلك فإنّ منَ الأهمية بمكان أن يتم الكشف عن هذه المستجدات كونها أصبحت جزءاً من ثقافة المجتمع والتعرف عليها لتمكين عملية التواصل بين المرأة والرجل وخاصةً في إطار علاقة زوجية مستقرة.
منقول من جريده
الكاتبه\ هيفاء بهاء عزّي*